Home » اراء و مقالات » أحمد الجلبي إذ يغادر مبتسما
احمد الجلبي اذ يغادر مبتسما

أحمد الجلبي إذ يغادر مبتسما

الأثنيـن ٢٠١٥/١١/٠٩
د. حميد الكفائي/…..
لاشك أن الراحل أحمد الجلبي كان شخصية متميزة قلما يجود بمثلها الزمن. فقد تميز علميا وحصل على براءة اختراع في الرياضيات وتميز كرجل أعمال واصبح ثريا بجدارة ومن أفكاره ومشاريعه الناجحة. في السياسة اجترح أحمد الجلبي المعجزات وتمكن من إقناع العالم بضرورة الإطاحة بنظام صدام حسين القائم على الجريمة والتعسف والظلم.
وعند عودته إلى العراق عمل الجلبي ضمن آليات النظام الجديد وسعى إلى التحالف مع القوى السياسية الفاعلة. وأول إنجاز له في الداخل هو إدراكه المبكر لأهمية التيار الصدري وزعامة السيد مقتدى الصدر فقام بزيارته في النجف في أحلك الظروف.
ساهم في تشكيل الإئتلاف الوطني العراقي في الانتخابات الأولى عام (٢٠٠٥) واصبح نائبا لرئيس الوزراء في حكومة إبراهيم الجعفري. وفي المرحلة اللاحقة، بقي الجلبي فاعلا في الساحة السياسية رغم أنه لم يفُز في الانتخابات. لكنه فاز في الانتخابات الثالثة والرابعة ليصبح عضوا فاعلا في البرلمان.
نعم، لم يتبوأ الجلبي الموقع الاول في الدولة، وهو موقع كان يستحقه بجدارة لجهوده في إسقاط النظام ووطنيته العالية وتفانيه من أجل العراق وخبرته السياسية ومعرفته الواسعة في الشؤون الاقتصادية وعلاقاته الدولية الواسعة، لكن مكانة الجلبي محفوظة عند المنصفين ولا يهم إنه لم يتولَ منصبا رفيعا فالمكانة لا تتغير مع المكان.
كنت أتمنى ألا يسعى الجلبي لأي منصب سياسي وأن يبقى شخصية معنوية مؤثرة، فالرجل أكبر بكثير من أي منصب، لكنه أبى إلا أن يشارك فعليا في بناء بلده عبر عضويته في مجلس الحكم وتوليه منصبا تنفيذيا ثم عضويته في البرلمان ورئاسته للجنة المالية. لقد دفع الجلبي ثمن عمله الدؤوب وحرصه على تحرير العراق من الدكتاتورية وإقامة نظام ديمقراطي فيه مرتين. أولا عبر تعرضه لحملة تشويه وتسقيط شعواء استمرت ثلاثة عقود، ومن المؤسف أن بعض من شاركه همومه ساهم في هذه الحملة الظالمة. لم يكن معصوما وسبحان من لا يخطئ لكن معظم الاتهامات الموجهة له كانت مختلقة. وثانيا عبر تفانيه في العمل وبذل الجهد في كشف الفساد الذي ترك أثره على صحته.
غادر الجلبي الحياة وكان يعمل بنشاط حتى آخر لحظة، إذ عاد إلى منزله بعد منتصف الليل من اجتماع سياسي، ودخل غرفة نومه بعد الواحدة صباحا على أمل أن يصحو الساعة التاسعة ليواصل عمله، لكنه توفي في الساعة الثالثة صباحا. وربما كان سينجو من الأزمة القلبية لو أن عائلته كانت معه. لم يكن الجلبي أبدا بحاجة إلى المال، فالرجل سليل أسرة ثرية وقد جمع من المال ما يزيد عن حاجته وحاجة عائلته لأجيال قادمة. ولم يكن بحاجة إلى النفوذ لأن ذلك دائما يرافق النجاح والرجل ناجح اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وله نفوذ عالمي. ولم يكن بحاجة إلى الوجاهة الاجتماعية فهو ينتمي إلى عائلة أهم ما يميزها هو النجاح والثراء والوجاهة.
لا شك لدي أن دافع الجلبي الأول والاخير للعمل كان حبه لبلده ووطنيته المفرطة. لقد عرفت الجلبي لربع قرن من الزمن وأعجبت بشخصيته في أول لقاء لي به مطلع عام (١٩٩١) في اجتماعات المعارضة العراقية بلندن أثناء الانتفاضة الشعبية ضد الدكتاتورية. كان كيسا ومتفائلا ومتسامحا ولم يرد على الاتهامات الكثيرة التي كانت تكال له. دافعت عنه بقوة أثناء فترة المعارضة، دفاعا لم يكن يتوقعه أو حتى يعلم به ولم يكن لي دافع سوى إنصاف رجل موهوب أحب العراق وعمل من أجله.
كان الجلبي مثيرا للجدل في عمله الخاص والعام وقد استقطب الأعداء من كل حدب وصوب. بعضهم كرهه لأنه شيعي، وبعضهم لأنه “صديق أمريكا” واتضح لاحقا أنه لم يكن صديقا إلا للعراق، وبعضهم لأنه ناجح، وبعضهم، وهؤلاء هم الغالبية، لأنه عمل من أجل تحرير العراق من الدكتاتورية. لم تبقَ مثلبة على وجه الأرض لم ترمَ على بابه، لكنه لم يكترث لها جميعا بل تجاهلها وظل يعمل بجد ومثابرة. ظل متفائلا ومبتسما طوال حياته بينما أغضبت نجاحاته كثيرين. غادرنا الجلبي لكن مآثره وآثاره باقية ما بقي العراق.

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*