Home » اراء و مقالات » الساعة البيولوجية الكبرى وأسرار الشيخوخة
????????????????????????????
????????????????????????????

الساعة البيولوجية الكبرى وأسرار الشيخوخة

الأربعاء 2015/11/11
د. هيثم أحمد/….

لكلٍ منا أنشطة بيولوجية تتم وفق جدول زمني شبه ثابت، ولا يتغير هذا الجدول إلا عند تغير الظروف. وعند حدوث التغيرات فإنها عادة ما تكون تغيرات طفيفة. فنحن ننام في مواعيد شبه ثابتة، ونصحو على نفس الإيقاع تقريباً، بل إننا نخلد للراحة ونبدأ النشاط بصورة ايقاعية. وقد أطلق على هذه الظواهر البيولوجية مصطلح ((الساعة البيولوجية))Biological Clock، التي تعني وجود إيقاع داخلي في الكائن الحي ينظم عملياته الحيوية التي تحدث داخل كل خلية أو نسيج أو نظام فزيولوجي.
وهذه الساعة لا تقيس إلا مدة زمنية محدودة، فهي تشبه “ساعة الرمل” التي تقيس دورة زمنية واحدة، ولكنها لا تعطينا المجموع الزمني لكل الدورات. ويبلغ عدد الساعات البيولوجية بالمئات أو الآلاف في الإنسان. وتقرر كل واحدة منها نشاطاً أو فعلاً بيولوجياً معيناً، كما إن بعضها ينظم عدة عمليات بيولوجية ذات طبيعة أو أهداف معينة، مثل عملية انشطار الخلايا، والنشاط التلقائي، وصنع الهورمونات والبروتينات، وتنظيم الحرارة الجسمية، وتكوين الإدرار، وزمن الاستجابة، وقوة الدافع، وردود الفعل للمؤثرات الضارة، وسرعة امتصاص العقاقير، والقوة العضلية، والنوم واليقظة. ومن الباحثين ممن يعتقد بأن هناك ساعات بيولوجية تقرر إلى حد ما أزمات الدورات الفكرية والعاطفية وغيرها من النشاطات التي طالما نظرنا إليها بوصفها فاعليات تتبع الإرادة الذاتية لصاحبها.
وبعض هذه الوتائر الدورية أو الساعات البيولوجية قد نشأت أصلاً أو طاوعت وتطاوع الظروف المحيطة، كدورات الفصول ودورة العمر وغيرها من الدورات الكونية، وبعضها يطاوع الطبيعة البيولوجية للكائن الحي، وهي الطبيعة الأكثر تأصلاً، فإذا ما تغيرت ظروف المحيط والطبيعة أو انتقل الفرد من ظرف إلى آخر، كالسفر السريع من قارة إلى أخرى فإن الفرد يطاوع ما تعود عليه من الوتائر البيولوجية ولا بدّ من مرور بضعة أيام لكي يكيف الفرد نفسه مع مقتضيات محيطه الجديد.
وفضلاً عن الساعة البيولوجية التي تقيس وحدة زمنية واحدة (24 ساعة) توجد ساعة أخرى تسمى بـ “الساعة البيولوجية الكبرى”Grand Biological Clock تعكس أو تقيس كل التغيرات التي تحدث في الكائن الحي بدءاً من الميلاد وحتى لحظة الموت. وتعتمد هذه الساعة على التغير الذي يحدث في الايقاع؛ أي إنها بدلاً من أن تقيس هذا الايقاع فإنها تقيس فقدان الايقاع، وتعمل بشكل غير منتظم – عكس الساعة البيولوجية – فقد تبطئ في عملها، وقد تسرع في إيقاعها وتزيد من سرعتها. ولكنها في كلا الحالتين تسير باتجاه واحد هو اتجاه الفقدان التدريجي للإيقاع. وهي تختلف عن الساعة البيولوجية التي تسير بشكل دائري، حيث يتكرر ايقاعها وتقيس التغيرات نفسها التي تحدث في كل دورة زمنية.
فقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن ظهور أنواع من أمراض السرطان في فئات عمرية معينة، وطريقة إصابة الخلايا الجسمية بالشيخوخة، وطبيعة النمو العقلي للأطفال، كل هذا يشير إلى وجود نظام داخلي يعمل على تفجير استجابات خاصة عند نقطة معينة من مراحل حياتنا.
وتعمل الساعة البيولوجية الكبرى على قياس ايقاع الأنظمة الهوميوستازية (الاتزان البيولوجي) الأساسية للكائن الحي. ويمكن أن نحكم على هذه الساعة بطريقة عشوائية بالتغير الذي يحدث في مجموعة من المؤشرات التي تعكس الاتزانات الأساسية لدى كبار السن. فقد اتضح في إحدى الدراسات أن ارتفاع مستوى الكوليسترول في الدم والإصابة بأمراض تصلب الشرايين والذبحة الصدرية لدى المسنين، وكل هذه التغيرات تعني أن عمر الفرد قد اخذ في النقصان، كانت بسبب الساعة البيولوجية الكبرى.
كما أكدت دراسات أخرى أن مع كبر السن تحدث تغييرات مهمة في الكائن الحي تعكس اضطراب الاتزان والاستقرار لديه، وإن اختلفت هذه التغيرات في الذكر عن الأنثى، ذلك إن هورمون الأنوثة يمنع هورمون النمو من تحريك الأحماض الدهنية من المناطق المختزنة فيها، وبالتالي تصبح له القدرة على خفض محتوى الكوليسترول في الدم الذي ينتج من زيادة نسبة الدهون وأحماضها في الدم، وبالتالي نقص احتمالية حدوث تصلب الشرايين الذي هو علامة على كبر السن، إذ يلاحظ نقص نسبة السكر والكوليسترول في الدم عند المرأة في سن 30 -39 سنة والذي يمكن عدّه مرحلة الاستقرار والاتزان لديها.
أما في الذكر، فإن الهورمون الذكري لا يؤدي إلى حالة الاستقرار هذه، إذ مع كبر السن تحدث زيادة في مستوى كل من الكوليسترول والأنسولين الذي يعد عاملاً حاسماً في إحداث تصلب الشرايين، وهذا ما يفسر انخفاض السن الذي يحدث فيه تصلب الشرايين عند الذكور مقارنة بالإناث اللاتي يحدث لديهن المرض نفسه بفارق عشر سنوات تقريباً.
بناءً على ما تقدم، يمكن القول بأن الساعة البيولوجية تختلف عند الذكور عما هي عليه لدى الإناث، وهذا الاختلاف يؤدي إلى اضطراب بعض العمليات الحيوية نتيجة اضطراب الدور التنظيمي لـلهايبوثالاموس (ما تحت المهاد) في الدماغ، والناشيء من زيادة أو نقص عتبة الاحساس الخاصة به.
إذن نحن محكومون جزئياً بساعة وراثية مركبة ودقيقة التناغم لا تقتصر على التغيرات البدنية، مثل قفزات النمو والبلوغ وسن اليأس والشيخوخة، بل إنها توجه أيضاً السياق العام لتفاصيل أدق في حياتنا. وهي بذلك تؤثر في توقيت كل ما هو بيولوجي تقريباً.

 

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*