Home » اراء و مقالات » أضواء على النشاط الصهيوني في العراق (1922-1952م)
اضواء على النشاط الصهيوني - Copy

أضواء على النشاط الصهيوني في العراق (1922-1952م)

السبت ٢٠١٦/٠٦/٠٤
نبيل عبد الأمير الربيعي/….
صدر عن دار الفرات للثقافة والفنون في بابل كتابي الموسوم ((أضواء على النشاط الصهيوني في العراق 1922م-1952م)), الكتاب يتضمن (286) صفحة وقد تم التبويب على أربعة فصول, تضمن الفصل الأول البذور الأولى للنشاط الصهيوني في العراق. أما الفصل الثاني فقد احتوى على دور أهرون ساسون معلم في نشر الفكر الصهيوني في العراق منذ عام (1922)م من خلال وظيفتُه التعليمية في مدارس شماش ومدرسة فردوس الأولاد, ودعمه المالي في فلسطين من خلال (جمعية الكيرن كييمنث) حتى ترحيلة من قبل الحكومة العراقية الملكية عام (1935)م, أما الفصل الثالث فقد تضمن دور الجمعيات الصهيونية في نشر الفكر الصهيوني في العراق, وهي (15) جمعية كانت تعمل داخل مدن العراق, والفصل الرابع دور الصهيونية في تهجير يهود العراق عام (1950)م, فضلاً عن دورالحكومة الملكية وبريطانيا وإسرائيل في ذلك, وكان لـ”شلومو هيلل” الدور الكبير في نقل يهود العراق المسقطّة عنهم الجنسية العراقية وفق عملية حايك مايكليبرج (علي بابا), إضافة إلى توضيح دور التنظيمات التي حاربت المنظمات الصهيونية في العراق ومنها عصبة مكافحة الصهيونية, ولا ننسى لدور أبناء الديانة اليهودية في العراق في الحركات الوطنية ومساهمتهم في وثبة كانون عام (1948)م, وقد قدموا كوكبة من الشهداء منهم شاؤول طويق ويهودا إبراهيم صديق وساسون دلال وآخرين.

لكن ليهود العراق تأريخ عريق منذ عام (745) ق.م كما تؤكد المصادر التاريخية ومنها ما يؤكده الدكتور “أحمد سوسة” في مقالة (اليهود العراقيون. لمحات تاريخية) في مجلة الدراسات الفلسطينية العدد (22). حزيران (1977), صفحة (104), «يرجع أقدم وجود لليهود في العراق إلى عهد الإمبراطورية الآشورية الأخيرة عندما أخضع الملك الآشوري تجلات بلانصر الثالث(745-727)ق.م قسماً من مملكة إسرائيل لنفوذه وما يسمى بسبي (سامريا 721 ق.م) وكان على رأسهم الأسباط العشرة, قام الآشوريون بتوزيع اليهود في المناطق الجبلية والتي تقع الآن ضمن حدود العراق وإيران وتركيا, وهي سياسة اتبعها الآشوريون في تشتيت أسراهم في أماكن عدة للحيلولة دون تكتلهم وقطع الطريق عليهم محاولة العودة إلى الأماكن التي رحلوا عنها».

يعتبر أقدم وجود لليهود في العراق زمن الإمبراطورية الآشورية الأخيرة التي دامت حوالي ثلاثمائة عام, فقد لعبت هذه الإمبراطورية دوراً في تحطيم مملكة يهوذا وسبي السكان اليهود إلى أماكن جبلية في بلاد آشور (كردستان العراق وإيران وتركيا).
كما قام الملك الآشوري شلمنصر الخامس (727-722ق.م) بحملة على مملكة إسرائيل ومحاصرة عاصمتها السامرة, فقد أجلى قائد الجيش بعد وفاة الملك شلمنصر الخامس ما يقارب(27290) نسمة إلى المناطق الجبلية في مملكة آشور وكذلك الملك سنحاريب (705-681ق.م) فقد قام بحملة على مملكة يهوذا وأخذ من اليهود مائتي ألف نسمة إلى أماكن جبلية بعيدة.

بعد استقرارهم في كوردستان وجبالها كوًنوا لهم قرى خاصة بهم وانسجموا مع التجمع الكوردي والبعض قد اندمج مع السكان الوثنيين والديانة النصرانية عند ظهورها, فقلدوا الكورد في خط حياتهم إذ مارسوا أعمال الزراعة وتربية المواشي تحت حماية رؤساء القبائل الكوردية مقابل دفع الجزية لهم, فقد انتشروا في مناطق كوردستان العراق كالعمادية وكفري ودهوك وعقره وزاخو والزيبار وبرواري العاليا والسفلى والمزوري والدوسكي, عمل البعض منهم في صياغة الذهب والتجارة والحياكة, والبعض عمل في مجال حقول الزراعة وتربية المواشي.

لم يكن عددهم في تلك الهجرة الجماعية يزيد على أربعة آلاف نسمة, غير أن الكثير من الباحثين يحددون تأريخ ظهور أول مجموعة يهودية في العراق في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع قبل الميلاد, وإن هذا التأريخ يأتي متطابق مع تأريخ السبي الآشوري إلى شمال العراق بحدود عام (626 ق.م) طبقاً لسياسة الإمبراطورية الآشورية في تشتيت الأسرى الواقعين تحت سيطرتهم إلى عدت مناطق نائية منعزلة عن أي تجمع سكاني قريب, ويلاحظ إن بعض المؤرخين كان يظن إن الأسرى من السبي البابلي التقوا بأبناء جلدتهم من الأسرى في السبي الآشوري, فيوسف غنيم مؤلف كتاب (نزهة المشتاق في تأريخ يهود العراق) يقول: «إن قوافل من السبي البابلي شاهدوا أبناء جلدتهم جالية ضخمه من أعقاب شلمنصر وسنحاريب وأسرحدون فتعانقوا معانقة أعز الأخوان وتعاونوا في منفاهم على حفظ كيانهم وصيانة تقاليدهم».

أما الوجود الثاني لليهود فيعود إلى عهد الدولة الكلدانية وما يسمى بسبي (يهوياكين) (612-539ق.م), عندما تمكن أعظم ملوكها نبوخذ نصر الثاني (604-562) ق.م من القضاء على مملكة يهوذا وأسرَ عشرة آلاف من اليهود وكان من ضمنهم نبي الله دانيال ونقلهم إلى بابل من خلال حملتين, والأخرى سبي (صديقا) عام (586ق.م) كانت علامة لنهاية مملكة يهوذا وتدمير أورشليم ومعبد سليمان وقد تم سبي أربعين ألف يهودي إلى بابل, استفاد اليهود في بابل من شرائع البلاد المتسامحة مع الغرباء فتسلم قسم منهم مراتب رفيعة في المملكة واشتروا الأراضي الزراعية ومارسوا الزراعة, أما ديانتهم فقد مارسوا شعائرهم بكل حرية فتمخض عن ذلك التلموذ البابلي الذي ضم بين طياته التعاليم اليهودية, لم يقتصر نشاط اليهود على الزراعة والتجارة فقط بل تعداه إلى ممارسة المهن المختلفة والصناعات العديدة إلى الحد الذي جعلهم يتمتعون بوضع جيد بعد مضي ستين عاماً على وجودهم في بابل (597-539 ق.م).

أما في عهد الملك الفارسي فقد تمكن من إعادة اليهود إلى فلسطين وذلك إكراماً لزوجته اليهودية أستيرا التي كانت تحتل مكانة مرموقة لديه فقد وصل عدد اليهود العائدين (49697) نسمة, أما المصادر اليهودية فتقدر عددهم بـسبعة آلاف قرروا البقاء في بابل والآخرون قد عادوا إلى فلسطين أرض الأجداد.

خضع يهود بابل بعد سقوط الدولة الأخمينية عام (331 ق.م) إلى الحكم الأغريقي (331-139ق.م) بعد أن استولى الأسكندر الكبير على بابل عام (331ق.م), وقد عهد اليهود الكثير ممن كانوا يتمتعون فيه أثناء حكم الكلدانيين والأخمينيين, وبين منتصف القرن الثاني قبل الميلاد وحتى الفتح الإسلامي للعراق عام (633م) خضع اليهود لأقوام عدة وإمبراطوريات مختلفة, نالوا التسامح فيها, وهذا ما حصل في عهد الفرثيين (216-139ق.م), وبين ضيق واضطهاد وراحة وازدهار ورخاء في عهد الحكم الفارسي الساساني (239ق.م-635م) هاجر الكثير من اليهود إلى الهند حتى أن بعض المؤرخين يعدون يهود الهند من أصل فارسي.

كان فتح العراق على يد المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص عام (636)م في عهد الخليفة عمر بن الخطاب بشرى خير لليهود لا سيما بعد معاناتهم الكبيرة تحت وطأة الحكم الفارسي, وعلى الرغم من ندرة المعلومات عن وضع اليهود في العهد الأموي(661-750م) إلا أن الباحثة (S. landshut) تشير إلى أن الدولة الأموية «لم تسجل أية شكوى يهودية من حالة اضطهاد طوال العهدين الأموي والعباسي, وتتميز أحوال اليهود في العهد العباسي (750-1258م) بقسط من الحرية على المستويات السياسية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية, فالعباسيون أفادوا من أبناء أهل الذمة في الدواوين الإدارية والمالية وكذلك في مهنة الطب والهندسة, كما عمل بعضهم في الترجمة, لكن بعد سقوط بغداد بيد المغول عام والقضاء على الدولة العباسية ليحل حكم المغول القاسي والذي جاءوا بالظلام والذل والجهل والبؤس والشقاء حيث امتدت فترة حكمهم أكثر من نصف قرن».

ويذكر الرحالة الانكليزي (ولستد) إن في بغداد وحدها حوالي سبعة آلاف يهودي, علماً أن رحلة السيد (ولستد) كانت في عام 1830م, وفي مطلع القرن التاسع عشر قدر عددهم في بغداد حوالي (2500) أسرة يهودية, أما في السليمانية فقد قدر عددهم بـ(300) أسرة وهم موجودون في مدن أخرى منها العمادية بنسب مختلفة في ذلك الوقت وفيها لهم كنيسان فوق قلعتها وكذلك في (صندور) وفي (بيت النور) كنيس آخر, وفي عام (1620)م إذ اهتم اليهود في هذه المنطقة وتمركزهم فيها بسبب تواجد ضريح داود بن يوسف بن أفرام المتوفى عام(1620)م ويدعى( ابن حران) وإلى جانبه زوجته( الست نجاد), كما لهم جالية في معبد في كفري, ويذكر يوسف غنيمة :«إن حكومة الاحتلال قامت بإحصاء لسكان العراق عام (1924)م فكان عدد يهود العراق (87448) نسمة موزعين على خمسة عشر مدينة عراقية أكبرها مدينة بغداد حيث كان يقطنها (50000) ألف يهودي وأقلها مدينة كربلاء حيث كان اليهود فيها لا يتجاوزون المائة وستون فرداً, أما في إحصاء عام(1947) فلقد بلغ تعداد اليهود في العراق (117877) نسمة, بينهم عدد كبير من الأغنياء وذوي الاختصاصات, وكان لليهود مقبرة خاصة تقع في شارع الشيخ عمر».

من هذا يمكن القول إن يهود العراق كانوا يقطنون بلاد الرافدين قبل بدء الدعوة الإسلامية ومن ثم استمر تواجدهم في البلاد فترة الخلفاء الراشدين والدولتين الأموية والعباسية وفي ظل الهيمنة الفارسية على العراق والدولة العثمانية حتى عهد الدولة الملكية في العراق, ففي ظل هذه الدول المتعاقبة على السيطرة على خيرات العراق تعرض العراقيون اليهود إلى شتى الاضطهاد الديني والتمييز السياسي والاجتماعي والاستبداد والقسوة, وفي بعض الأحيان تمتعوا بالحرية الدينية والوضع الاجتماعي الجيد في ظل الدولة العثمانية, لكن الدولة الإسلامية كانت تعتبرهم من أهل الذمة ليدفعون الجزية السنوية والخراج, ولا ننسى إن كل النظم الإسلامية بشتى أنواعها والتي حكمت العراق قد مارست شتى أنواع التمييز الديني والاجتماعي بحق اليهود والمسيحيين والصابئة والأيزيديين لأنهم كانوا يشكلون أقليات دينية مضطهدة.

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*