Home » اراء و مقالات » هل العراق مستعد لدفع ثمن التحرر من داعش؟
صورة لمتظاهري الفلوجة
صورة لمتظاهري الفلوجة

هل العراق مستعد لدفع ثمن التحرر من داعش؟

الخميس ٢٠١٦/٠٦/١٦ 
د. حميد الكفائي/….
كانت الفلوجة أولى المدن العراقية التي تمردت على العهد الجديد منذ البداية، فقد انطلقت منها الشرارة الأولى لمقاومة الأمريكيين مطلع عام (2004)، لتصبح منذئذ ملاذا وملتقى للجماعات المسلحة العاملة في العراق التي عملت تحت مسميات شتى، فمن مقاومة الاحتلال الأمريكي إلى محاربة النفوذ الغربي والإيراني ثم أخيرا إقامة (دولة الخلافة) التي تبناها (تنظيم الدولة) المعروف عربيا بـ”داعش”. ويعزو مراقبون تبوء الفلوجة هذا الدور إلى كونها بيئة محافظة تتسم بالتشدد الديني، فقد عُرفت المدينة بأنها “مدينة المساجد”. وعلى رغم أن الفلوجة تقع على مقربة من العاصمة بغداد، الا أن هذه المدينة الكبيرة، التي تعتبر أكبر (قضاء) في العراق، وكانت مرشحة يوما لأن تتحول إلى محافظة، هي جزء لا يتجزء من محافظة الأنبار الواقعة في أعالي نهر الفرات، لكن معظم أراضيها تقع ضمن الصحراء العراقية الكبرى الممتدة حتى السماوة جنوبا، وتتجلى فيها الروابط والأعراف القبلية، أكثر من أي محافظة عراقية أخرى.

وكانت الفلوجة أولى المدن العراقية التي سقطت تحت سيطرة “تنظيم الدولة” مطلع عام (2014)، قبل سقوط الموصل بعدة أشهر، لكن هذا السقوط لم يحظَ باهتمام إعلامي أو رسمي عراقي كبير، باعتبار أن الفلوجة مدينة لم تسيطر عليها الحكومة كليا منذ التغيير وأن ذلك السقوط كان مجسَّدا أصلا في عدم استقرار هذه المدينة وكثرة وجود المسلحين فيها، عراقيين وعرب وأجانب. التحقيقات التي أجرتها أجهزة الأمن العراقية حول التفجيرات في بغداد طوال السنوات الماضية أظهرت أن معظم المتفجرات والسيارات المفخخة والانتحاريين والمسلحين الذين يعملون في العاصمة يأتون من الفلوجة، التي لا تبعد سوى (60) كيلومترا عن العاصمة.

ومع أن مراقبين كثيرين فوجئوا بتوقيت المعركة الحالية في الفلوجة، إلا أنها في الحقيقة قد تأخرت أكثر من عامين وذلك لأهمية الفلوجة استراتيجيا لتنظيم الدولة، بسبب قربها من بغداد ووجود مسلحين وقواعد ومخابئ للتنظيم فيها، وبسبب خطرها على أمن بغداد والمحافظات الأخرى القريبة مثل بابل وكربلاء وديالى والموصل. لكن المفاجأة تكمن في ان الحكومة كانت تعلن أنها ستبدأ بتحرير الموصل أولا، ما جعل الجميع يفكرون بأن المعركة المقبلة مع التنظيم ستكون فعلا في الموصل وليس الفلوجة. لكن تلك الإعلانات الحكومية كانت خدعة عسكرية، على ما يبدو، تهدف إلى إيهام تنظيم الدولة بالاستعداد للمعركة في الموصل من أجل الإنقضاض عليه في الفلوجة. من الواضح أن البدء في الفلوجة هو أهم عسكريا وأمنيا وأقل خسائر بالنسبة للحكومة، لأنها لو بدأت في الموصل وتمكنت من تحريرها فإن معركة الفلوجة ستكون أصعب بكثير، بل وأخطر على سكانها، هذا من جهة، وسوف يتركز اهتمام التنظيم على الفلوجة وباقي مدن الانبار الأخرى كهيت وعانة وحديثة بينما سيكون الخطر على بغداد أكبر إذ سيكثف التنظيم من عملياته ضد المدنيين فيها، ما سيضعف الحكومة والدولة العراقية ككل لأن خمس سكان العراق يتركز في العاصمة.

الانتصار في الفلوجة لن يكون سهلا بالنسبة للقوات الحكومية خصوصا وأن مسلحي التنظيم لن يترددوا في استخدام كافة الوسائل المتاحة لديهم، بما في ذلك استخدام المدنيين كدروع بشرية، لكن تحرير الفلوجة لم يعد يتحمل التأجيل، بل أصبح أمرا مرتبطا ببقاء الدولة العراقية وتماسكها الوطني، وأصبح تحديا خطيرا لا يمكن تأجيله طويلا. حكومة رئيس الوزراء “حيدر العبادي”، محاصرة سياسيا بسبب الاحتجاجات الشعبية المستعرة ضدها منذ عدة أشهر، ومهددة اقتصاديا بسبب تراجع عائداتها من النفط، كما إن خمسة وزراء في حكومته أقيلوا في نيسان الماضي ولم يتولَ بدلاؤهم مهامهم الرسمية حتى الآن، لذلك لم يعد أمامها خيارات أخرى للنجاح سوى الجانب الأمني الذي تحظى فيه بدعم دولي واسع، خصوصا من الولايات المتحدة وإيران وروسيا، التي تحارب مسلحي التنظيم في سوريا. كما يأمل العراق أن يتوسع الدعم الدولي له عسكريا واقتصاديا وسياسيا مع تحقيقه انتصارات ضد الجماعات المسلحة، التي لا تهدده فحسب بل تهدد دول المنطقة الأخرى. حلفاء العراق العسكريون لن يدعوه يخسر هذه المعركة لأنها مهمة للمجتمع الدولي بقدر أهميتها للعراق، وأن خسارة العراق فيها سوف تحسب على المجتمع الدولي بأسره، كما أنها خسارة أمنية لدول المنطقة جميعا لأن تنظيم الدولة لن يتوقف عند العراق، بل أخذ يتمدد خارج العراق وسوريا، وقد أخذت عناصره تنشط في دول أخرى، كليبيا، التي يمكنه من خلالها تهديد تونس ومصر بل والنفاذ إلى أوروبا وتهديدها أمنيا، وليست عمليات التنظيم في فرنسا ببعيدة عن تفكير المسؤولين الغربيين.

ويرافق عملية تحرير الفلوجة قلق محلي ودولي واسع على سلامة المدنيين الذين وجدوا أنفسهم وسط حرب ضروس، صمم كلا طرفيها على تحقيق النصر المؤزر على الآخر، فمسلحو التنظيم لا يعبأون بشيء سوى إلحاق أقصى الأذى بأعدائهم ولا يهمهم حجم الخسائر حتى في صفوفهم، أما القوات العراقية فلا تستطيع أن تخسر هذه المعركة مهما كان الثمن لأنها ستخسر حينئذ كل الدعم والتأييد الذي تتمتع به حاليا، عراقيا ودوليا. ويخشى كثيرون من أن تتفاقم المأساة الإنسانية وسط هذا التصميم العراقي والدولي على حسم المعركة وإخراج مسلحي التنظيم، ليس من الفلوجة فحسب، بل من باقي المناطق التي يحتلونها في العراق. وقد قال قائمقام الفلوجة “عيسى الدليمي”، إن آلاف النازحين من المدينة توجهوا إلى ناحية العامرية المجاورة وإنهم يعانون ظروفا مأساوية، مشيرا إلى ضعف الدعم المقدم لهم من الحكومتين المحلية والاتحادية ومنظمات الإغاثة الدولية، وقال إن بعضهم قد أغمي عليه بسبب نقص الغذاء، فيما أعلنت جمعية الهلال الأحمر العراقية أن عدد النازحين من الفلوجة قد بلغ (14) الفا حتى الآن ولا شك بأن هذا العدد سيتضاعف مع استمرار القتال. وأكد “محمد الخزاعي”، أحد مسؤولي الهلال الأحمر، أن الوضع الإنساني في الفلوجة صعب جدا وأن السكان يعانون من نقص حاد في الأدوية والمواد الغذائية التي ارتفعت أسعارها بشكل جنوني. وقد شكل رئيس الوزراء “حيدر العبادي” لجنة خاصة للنظر بجهود الإغاثة المقدمة للنازحين. وعلى رغم أن وزارة الهجرة والمهجرين العراقية قد أعلنت أنها خصصت ملياري دينار (مليون وستمئة الف دولار تقريبا) لتقديم المساعدات الإنسانية للنازحين، إلا أن هذا المبلغ متواضع جدا مقارنة بحجم الكارثة ولا يمكن أن يغطي الحاجات المتزايدة للنازحين مع اشتداد الحر.
وبالإضافة إلى الأذى الذي يمكن أن يتعرض له المدنيون بسبب العمليات العسكرية، هناك قلق من تعرضهم لانتقام طائفي، خصوصا وأن الشائع في العراق هو أن معظم التفجيرات والسيارات المفخخة التي طاولت العاصمة وباقي المدن العراقية، والتي راح ضحيتها آلاف المدنيين، قد جاء من الفلوجة. ونتيجة لذلك، اصبح من المُلِح والضروري أن تراقب الحكومة والمرجعية الدينية ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان المحلية والدولية الوضع الإنساني في الفلوجة لضمان عدم حصول انتهاكات.

ويأتي معظم القلق من احتمال قيام بعض متطوعي “الحشد الشعبي” المساند للجيش النظامي، بأعمال انتقامية على أسس طائفية باعتبار أن معظم عناصر الحشد ينتمون إلى الطائفة الشيعية بينما ينتمي سكان الفلوجة والمسلحون فيها إلى الطائفة السنية. وتتكون قوات الحشد من عدة جماعات مسلحة مرتبطة بأحزاب سياسية بعضها مشارك في الحكومة، بالإضافة إلى متطوعين عاديين، وقد انتظمت من أجل هدف واحد هو محاربة (داعش) بعد سيطرة مسلحي التنظيم على الموصل في العاشر من حزيران عام 2014. قد تكون هذه المخاوف مبالغا فيها، ولكن يجب أن تؤخذ على محمل الجد من أجل منع وقوعها. هناك تحذيرات من المرجعية الدينية ومن الحكومة وقادة الحشد من أن أي انتهاك لحقوق الإنسان أو اعتداء على مدنيين من أي طرف سوف يُعامل بمنتهى الصرامة. الكل يراقب تصرفات عناصر الحشد والجيش، والكل يعلم أيضا أن أي انتهاك أو اعتداء على المدنيين أو حتى الأسرى من مسلحي داعش، سيعود بالضرر على أصحابه أولا والعراق ثانيا والجهد الدولي لمحاربة الإرهاب ثالثا، وأن الدولة لن تتهاون بأي شكل من الأشكال مع مرتكبيه. أحد أهم قادة الحشد، “أبو مهدي المهندس” (واسمه الحقيقي “جمال جعفر آل إبراهيم”)، قد أعلن أن قوات الحشد ستبقى خارج الفلوجة ولن تدخل المعركة إلا بأمر من رئيس الوزراء. كما أعلن باقي قادة الحشد من أنهم لن يتهاونوا مع أي انتهاك لحقوق الإنسان، وأن قوات الحشد إنما أسست بفتوى من المرجعية الدينية لغرض الدفاع عن العراق ومحاربة الإرهاب ولا يمكن أن تسمح المرجعية أو الحكومة أو قيادات الحشد بها بل ستتعامل معها بشدة.

بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) حذرت من وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان في الفلوجة وقال ممثل المنظمة الدولية في العراق “يان كوبيش”، عقب زيارة قام بها للمرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في النجف، إن معركة الفلوجة هي “معركة العراقيين جميعا ويجب ألا تشوهها أي انتهاكات لحقوق الإنسان، خصوصا بدوافع طائفية”. وثمَّن “كوبيش” دعوة السيد “السيستاني” إلى حماية المدنيين في الفلوجة ودعا كافة الأطراف إلى حمايتهم والالتزام بالقوانين الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين. وقد عبر المبعوث الدولي عن قلقه من تعرض المدنيين الهاربين من القتال إلى اعتداءات، داعيا الحكومة العراقية إلى التحقيق في التقارير التي تحدثت عن اعتداءات على المدنيين. لكن السفير الأمريكي في العراق “ستيورات جونز”، أعلن أنه اطلع على التقارير التي تحدثت عن وجود انتهاكات لحقوق الإنسان في الفلوجة وأنه لم يعثر على دليل على وقوعها. لكن القلق من حصول انتهاكات لحقوق الإنسان يبقى هاجسا لدى العديد من المراقبين والمنظمات الدولية، وقد حذرت منه الحكومة العراقية على لسان ناطقها الرسمي “سعد الحديثي”، الذي أعلن أن من يثبت تورطه في أي اعتداء سوف يواجه أشد العقوبات وأن كل من يعتدى على المواطنين إنما يخالف توجيهات المرجعية الدينية والقوانين العراقية وأن القضاء العراقي سوف يلاحقه. وكان رئيس ديوان الوقف السني، الشيخ “عبد اللطبف الهميم”، قد وجه اتهامات لجهات في محافظة الأنبار بأنها قامت “بتفخيخ منازل النازحين” في الرمادي بعد تحريرها من “داعش”، غير أن محافظ الأنبار “صهيب الراوي”، نفى هذه الاتهامات لكنه أعلن عن تكشيل لجنة للنظر في هذا المزاعم داعيا الشيخ “الهميم” إلى تقديم ما لديه من أدلة بهذا الشأن إلى اللجنة. إن صح وقوع مثل هذه الانتهاكات في الرمادي، فهل يمكن أن تتكرر في الفلوجة؟

معركة الفلوجة المستعرة منذ أيام ستنتهي على الاغلب بهزيمة مسلحي تنظيم الدولة، الذي لا يمكنه البقاء في هذه المناطق خصوصا مع تزايد الدعم الدولي للعراق وإعراض السكان عن التنظيم وتقلص عدد مسلحيه ومؤيديه وتناقص الأموال التي يحصل عليها من آبار النفط أو الأتاوات التي يفرضها على الناس. إلا أن تبعات الحرب من دمار وخراب وخلافات وثارات بين السكان حول الجرائم التي ارتكبها مسلحو التنظيم والذين ساعدوهم من أبناء المنطقة، سوف تستمر لفترة طويلة، وهي تحتاج إلى معالجات قانونية ومادية وسياسية، وربما حلول عشائرية أيضا. وبعد الانتهاء من تحرير الأنبار، سيكون لزاما على الحكومة أن تتجه شمالا لإخراج مسلحي التنظيم من الموصل والتعامل أيضا مع مخلفاته هناك خصوصا اضطهاد المسيحيين والأيزيديين والتعامل غير الإنساني مع أسراهم من النساء والرجال. ومع كل الصعوبة التي ترافق إخراج المسلحين من المناطق التي يسيطرون عليها بأقل الخسائر الممكنة، فإن التعامل مع آثار احتلال تلك المناطق والجرائم التي ارتكبها التنظيم بحق أهلها سيبقى المشكلة الأكبر التي ستضطر الحكومة والمجتمع الدولي إلى التعامل معها وإيجاد الحلول لها.

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*