Home » اراء و مقالات » مراحل تطور الفساد الإداري والمالي في العراق
الفساد

مراحل تطور الفساد الإداري والمالي في العراق

الجمعة ٢٠١٦/١٢/٢٣
حمودي جمال الدين/…
لم يكن الفساد في العراق وليد السنوات الحديثة أي من عمر تأسيس الدوله العراقية في العام (1921) وانما هو موروث تاريخي ترجع اصوله الى عمق التاريخ العراقي أي الى ما قبل (1750) سنه قبل الميلاد حين وضع الملك البابلي الشهير مسلته التي ثبت فيها شرائعه وقوانينه والزم العراقيين بتطبيقها… وكانت اغلبها مقرونة بعقوبة في حالة عدم الامتثال لها ومن بين البنود التي عالجتها شريعة حمورابي انماطا تختص بالفساد كـ”عدم الكفاءه” و”الاهمال” و”الغش” و”الاحتيال” و”خيانة الأمانة” إذا سرق سيد ثوراً أو شاة أو حماراً أو خنزيراً أو قارباً، إذا كان (المسروق) يعود للإله أو للقصر، فعليه أن يعطي (30) مثلاً. أما إذا كان يعود إلى مسكين، فعليه أن يدفع (10) أمثال كاملة، إذا لم يكن لدى السارق ما يعوّض به فإنه يعدم.

إذا سرق رجل ثوراً أو شاة فذبحه أو باعه فليعوض بدل الثور خمسة من القطيع. وبدل الشاة أربعة من الخراف.. وفي الدولة الإسلامية ظهرت نبرات الفساد بعد وفاة النبي (ص) مباشرة عندما تعالت اصوات التفريق بين المسلمين انفسهم بين الانصار والمهاجرين واقروا بأفضلية المهاجرين او بأفضلية الحكم للعشيرة عندما حصروا الخلافة او الحكم بالقريشين وهذا معناه التركيز للمتنفذين في الدولة كما تأسست طبقات متنفذه بيدها المال والجاه في وسط دولة اسسها النبي على العدل والمساواة في العطاء بين ابناء الامه فعندما يفرق الخليفة “عمر بن الخطاب” بين من قاتل مع النبي ومن قاتله في العطاء حيث يقول (لا اجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه) وهذه سنة تتعارض مع مبادئ الاسلام والقيم التي جاء بها. وتجلت ظاهرة الفساد الاداري في سنين الاحتلال الذي تعرض اليه العراق في حقبة تاريخية, فالوافدون إليه من كل الجهات يحملون سلوكيات وطبائع معينه يطبقوها على البلد المحتل بغض النظر عن عدم شرعيتها وسوء أخلاقها ولكي تستتب لهم السيطرة وبسط نفوذهم على عموم البلد يكون المال والمنح والعطايا امرأ يسيرا بأيديهم لشراء الذمم وكسب المواقف المؤيدة لهم برزت هذه الظواهر في زمن الاحتلال العثماني للعراق حين كانت الوظيفة العامة تباع وتؤجر، وهناك (تسعيرة) للمناصب إذ يزداد السعر مع أهمية الوظيفة أو المنصب، وما يجلبه هذا المنصب من عوائد على الشخص ابتداءً من الوالي وحتى اصغر موظف. فقد كان الوجود في مركز حكومي في عهود المماليك وما قبل المماليك يعادل ان يكون الإنسان في ميدان الأعمال، وكثيرا ما كان الحصول على التعيين يتم عن طريق شراء المركز وعن طريق المزايدة – وكان المزايد الفائز بالمركز يعوض ما دفع، مع الفائدة، عن طريق وجوده في الوظيفة، وكان الشعور بالمسؤولية العامة آنذاك أمرا غير مفهوم على الإطلاق، اما في العام (1870) فقد كان في صوامع الحبوب العامة التابعة لأحد المراكز الإقليمية مقياسان.

الأول اصغر من المقياس العادي الموجود في الأسواق يستخدم لتوزيع الحبوب وبيعها، والثاني اكبر من المقياس العادي ويستخدم لشراء الحبوب أو إدخالها، وكان المقياس الأول يفرق (10%) مع الشاري في حين كان المقياس الثاني يفرق بنسبة (16%) مع البائع أو دافع العشر، وحتى الإصلاحي “مدحت باشا” لم يستطع إلغاء هذه الممارسات وغيرها فقد باع سكرتيره في العام (1871) منصب متصرف الموصل بـ (800) ليرة تركية. وكان الفساد في ظل نظام السلطان “عبد الحميد” – بصورة تقريبية من العام (1878) وحتى ثورة عام (1908) اكبر حجما وأوسع انتشارا. وهذه التركة الثقيلة من مظاهر الفساد التي خلفها الاحتلال العثماني للعراق والذي انتهى عام (1917) باحتلال الانكليز للعراق جعلت من الفساد عنصرا متأصلا في بنية المجتمع العراقي والدولة العراقية منذ تأسيسها. وقد تفشت ظاهرة الفساد في القرن العشرين في زمن الاحتلال الانكليزي الذي أعقب العثمانيين حيث كان الانكليز يبحثون لأنفسهم عن إنشاء القواعد العسكرية والأسواق والموارد وهذه الأهداف لا تتأتى بيسر وسهوله دون القوه والسطوة واستخدام المال والهبات وطالما كان هناك من المنتفعين والفاسدين ومن هم على استعداد تام لبيع ذممهم ووطنهم وعرضهم من اجل سلطة أو مال وتحت أي مسمى فالمحتل لا يكترث لفساد المجتمع ولترويج أخلاقيات وأساليب غير شرعيه بقدر تمرير هيمنته وتمشية أهدافه ومراميه لهذا عمد الانكليز الى توزيع الاراضي الزراعية على الشيوخ وقسم من رجال الدين والمتنفذين مما خلق رموز كبيرة من ملاك الاراضي والاقطاعين ومن الاتباع والمريدين لهم وحتى عند تشكيل ألدوله العراقية الأولى في عام (1921) وبشكلها الصوري كونها كانت دولة تحت هيمنة وتبعية الاحتلال والذي أريد لها إن تكون دولة متخلفة ضعيفة بهياكل إدارية هشة قائمه على الروتين والمحسوبية والعشائرية وبيع المناصب والمراكز حيث أصبحت الوظيفة العامة مصدرا للعيش لهذا تفشى أسلوب البيع والشراء أو التأجير لهذه الوظائف كما هي في العهد العثماني وقد تفشت الرشوة والاختلاسات وازدادت شكاوى المواطنين من سلوك الموظفين واصبحت المراكز والمناصب مركزا للثراء غير المشروع. اتسم نظام الحكم في الدولة العراقية الحديثة بالفساد فالأراضي الزراعية فيها موزعه بين الاقطاعين والشيوخ ورجال الحكم وشرائح من ضباط الجيش العراقي وكانت عباره عن رشاوى دفعها الحكام لكي يؤمنوا تبعية هؤلاء تحت هيمنتهم وسطوتهم وقد اصدرت الإرادة الملكية قوانين موغلة بالفساد كقانون الاراضي الأميرية (1931) وقانون اللزمة (1933) وقانون حقوق وطلبات الزراع (1933) وقد صدرت هذه القوانين لخدمة السياسة البريطانية وكان الغرض منها مكافاة الشيوخ الذين تعاونوا معها.
وكان من نتيجتها ان حوالي (85%) من الاراضي الزراعية في العراق موزعه فقط على (35) الف مالك ومن جراء هذا الظلم والقهر الذي سبب التعاسة والفقر والالم للفلاحين في الريف ارتحل الكثير منهم تاركين مواطنهم ومزارعهم الى المدن ليبحثوا فيها عن مصدر اخر للعيش والرزق فبنوا الصرائف والاكواخ على حافات المدن وخاصة بغداد والبصره ليشكلو بها حزاما ينم عن مدى البؤس والفاقة والجوع الذي تعرض اليه المواطنين لحين قيام ثورة (14/تموز/1958) حيث اعلن فيها الزعيم “عبد الكريم قاسم” قراراته الحاسمة باجتثاث الصرائف والاكواخ عن وجه العاصمة والمدن الاخرى وببناء المساكن من الطابوق وتجهيز احيائها بمستلزمات البنى التحتية من ماء وكهرباء ومدارس ومستشفيات ومراكز صحية وخدمية اخرى وعمد في بغداد الى شق قناة إرواءية بطول (25) كم تحت أسم قناة الجيش من نهر دجلة الى نهر ديالى موزعا على ضفافها الاراضي والمزارع على ساكني هذه المنطقه كما انشأ مدنا اخرى في داخل بغداد كانت غارقة بالفقر والبؤس كمدينة الشعلة والعامل وغيرها الى ان فاجأه المتآمرون بتعاونهم الفاضح مع القوى الأجنبية حيث اطيح به وبآماله وعهوده التي قطعها للفقراء من شعبه ولم يكمل المشروع الذي بدأ به واقسم عليه من ازالة مظاهر الفقر عن وجه العاصمة والقضاء على الصرائف والاكواخ. وكان من بواكير الانقلابين في (1963) حين توجوا انقلابهم بالرشوة المشهورة التي قبضوها من حكام دولة الكويت والتي باعوا فيها قسم من الحدود العراقية الكويتية الممتد من المطلاع الى العبدلي وقسم من ابار النفط في الرميلة مقابل مبلغ (30) مليون دينار عراقي وقد تصدر الفساد في زمن “البكر” حين اُحتكرت السلطة ومفاصلها من قبل شريحة معينة ممثلة بأقارب وانساب وحواشي وعشائر المسؤولون الكبار في هرم السلطة الجديدة والتي عاثت بالبلد ومقدراته وبثروته وممتلكاته لصالحها ولمحسوبيها وتركت ابناء الشعب يتلظون حسرة وفاقة على موردا للرزق يقتاتون منه الى ان جاء العهد العارفين الذي اغرق البلاد بأسواء ما كان عليه من العشائرية والمحسوبيه والطائفية والتخلف وكانت فترة مملحة بائسة قاتمة المت بالعراقيين الى ان اطيح بنظام العارفين في عام 1968 ليعود البعثيون بثوب آخر متبوئي مركز القرار السياسي ومالكين زمام دفته..

وليربطوا العراق بمصيرهم شعبا ووطنا مستلبين حرياتهم ومكممين افواههم وفاتحين اذرع السجون والمعتقلات للوطنين والاخيار من ابناء هذا الوطن وليعتمل معولهم بتخريب البلد والقضاء على البقيه الباقية من بناة التحتية ومراكزه الاقتصادية ومن جميع موارده وامكانياته من خلال زج العراق في اتون حروب مفتعلة مع جيران العراق من الدول الإقليمية التي حصدت فيها نفوس الالاف المؤلفة من العراقيين والتي فتكت بكيان الوطن وبمقدرات شعبه والتي مهدت السبل والمسالك للفساد الاداري والمالي كي ينخر بمفاصل الدولة وعروقها حيث تحول الانسان العراقي الى سلعة في سوق المضاربة والمزايدة بين ان يضحي بروحه في الجبهات الحامية للقتال او ان يضمن الحياة والاستقرار له ولعائلته من خلال دفع الرشى والهدايا والاراضي والممتلكات لذوي النفوذ في الحزب والسلطة او للأمراء والضباط في الجيش العراقي لشراء الاجازات الوقتيه والدائميه او للنقل وممارسة العمل في الخطوط الخلفية او في المدن بعيدا عن محرقة القتال مما سببت هذه المظاهر من الفساد خلق فجوة كبيره بين الشباب العراقي من المجندين والمتطوعين في سلك الجيش كان لولبها ومحركها الرئيسي الفساد الذي مارسته السلطة في مختلف طبقاتها وكان ابن الشعب الفقير المعوز حطبا لنارها. فضلا على ما آلت اليه هذه الحروب من نتائج كارثية على الدولة والمجتمع العراقي وما تمخض عنها من فساد قاتم ومستشر تتوج في نهايتها بالحصار الاقتصادي الذي فرضته الامم المتحدة على العراق.

عقوبة على ما اقترفه نظامه من مساوئ تجاه جيرانه وتجاه الامن والاستقرار العالمي حيث كانت هذه القرارات اكثر وقعا وايلاما وجوعا للمجتمع العراقي وليس على حكومته لأنه هو من تحمل وزر واعباء اخطاء ما اقترفته سياسة التفرد والدكتاتورية التي مارستها القيادة السياسية العراقية حيث خلفت هذه السياسات الرعناء مرتعا خصبا للفساد الاداري والمالي الذي استفحل ونشط بشكل لا مثيل له في النهب والسرقة والتحايل والنصب والتزوير والرشا والتلاعب بأموال العراق داخليا وخارجيا وكان تهريب النفط من خلال ثقب الانابيب خير مورد للسراق والمفسدين من مسؤولين ومتنفذين دون ان يجد أي رادع او مراقبة تصده وتحيل بين مطامعه ومصالح الشعب والوطن. وهكذا ظل الفساد يتوارث في العراق بتعاقب الحكومات عليه وكل حكومة تأتي تدعي أنها تحارب الفساد وتكافحه لكن الفرد العراقي يتلمس إن الفساد في الحكومة اللاحقة أوسع واشمل وأشرس منه في التي سبقته. لكن تاريخ العراق لم يشهد في كل الحقب والعهود الزمنية التي مرت عليه فسادا افدح واضخم واوسع مما شهده بعد عام (2003) حيث وصل الفساد الاداري الى مديات خطيرة تهدد الدولة العراقية وجميع مؤسساتها واركانها يأتي هذا على الرغم من وجود مؤسسات وهيئات رقابية وتشريعيه وقانونيه ومنظمات مهنية ومدنيه اُسست وشُرِعت وفقا لمبادئ ومواد الدستور العراقي الجديد واكتسبت قوتها وحصانتها بقوة القانون بغية التدقيق والرقابة والمتابعة لمظاهر الفساد والحد منه ومكافحته لإرساء دعائم دولة مدنية ديمقراطية دستورية تتماشى مع متطلبات العصرنة الحديثة وتعزيز مقومات النهوض الاقتصادي والتنموي والتقدم الحضاري للبلد ورفع مستوى معيشية ورفاهية ابنائه بعد سنين العذاب والجفاف والقهر الذي عاناه الشعب من انظمته السابقة.
وقد بات من الصعب إيقاف مد الفساد وتناميه وعلى مختلف الأصعدة سواء في القطاع العام الحكومي المتمثل بدوائر الدولة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والخدمية أو على المستوى السياسي والحزبي من طبقة الأحزاب المتنفذة وغير المتنفذة بقيادة البلد أو الاستشراء بين مختلف الطبقات الاجتماعية ومشاريعها الاقتصادية والتجارية. انه الفساد الكبير الفساد السياسي الذي يمثل اخطر انواع الفساد واشرسها لأنه يكمن في منظومة الدولة بكل مؤسساتها التنفيذية والقضائية والسلطوية وبكل هيئاتها الرقابية والإعلامية وبأحزابها ومنظماتها السياسية والمهنية وقواها الأمنية فالطبقة السياسية الحاكمة في العراق اليوم ابتداء من سقوط النظام البائد على يد التحالف الدولي في (2003) الى الان تمارس ابشع واخس وافدح انواع الفساد فبيدها كل مقدرات الوطن وثروة وممتلكات ابنائه من عقارات وقصور واطيان وموارد مالية واقتصادية من تصدير واستيراد وبيع وشراء وتهريب اموال وتجارة في المخدرات والمحرمات والتلاعب في العقود والاتفاقيات وقبض الرشا والعمولات وخلق المشاريع الوهمية بملايين الدولارات وترويج اسواق المزايدة بالمناصب والمراكز الإدارية الحساسة والوظائف الحكومية المختلفه حتى وصلت في تماديها الى بيع ارواح العراقيين واسترخاص دمائهم من خلال المتاجرة والارباح بالمناصب القيادية في القوات المسلحة والامن الداخلي دون النظر الى المهنية والحرفية والخبرة التي يستوجب توفرها فيمن يشغل المنصب فضلا عن ابرام العقود من اسوء المناشئ والمصانع لشراء الأسلحة والأعتدة الفاسدة والمهترئة او عقود وهمية لا اساس لها على ارض الواقع.

أضافة الى امعانها في الاختيار والتعيين في دوائر الدولة ومؤسساتها للمنتسبين لأحزابها ومحسوبيها ومنسوبيها في الاماكن غير المؤهلين لإدارتها وتمشية مهامها من دون الرجوع الى الخبرة والاختصاص والكفاءة في اختيار الاشخاص. فضلا عن الرواتب والايفادات والامتيازات الخيالية التي تتقاضاه وعن الاعداد يعتبر الفساد الإداري ألان من الظواهر التي تشكل تحديا كبيرا للدولة والمجتمع مما يستوجب دراسة هذه الظاهرة بمزيد من التمعن والتحليل للوصول إلى المسببات الحقيقية لتناميها وتشخيصها والوقوف على العوامل والمنشطات الدافعة لها تمهيدا لبلورة أفكار ودراسات من اجل مكافحتها والتقليل من تأثيراتها ونتائجها وتخفيف الأعباء الثقيلة التي تخلفها على بناء الدولة والمجتمع. فالطبقة السياسية الحاكمة ارتهنت العراق ارضا ووطنا وشعبا لمصلحتها ومصلحة احزابها ولم يعد مفهوم الوطنية والخدمة وبناء الوطن ورقي المجتمع لها وجود في منظور هذه الاحزاب وسياسيها وفي متن خطابها السياسي القديم الذي كانت تناغم به الشعب ايام نضالها السلبي فالفساد السياسي سيظل ينهش باقتصاد العراق ويهدر اموال شعبه وسيبقى الحاضنة الام للفساد الاداري والظهير الحامي الذي يتكأ عليه هذا الفساد فلن تطوله يد الرقابة والمتابعة والمسائلة ولن تروج أي ملف او معاملة سرقة او تلاعب او هدر للمال العام طالما ظل هذا الفساد محميا ومتسترا بالطبقة الفاسدة من السياسيين والحكام ومن يتأبط بهم من مسؤوليهم واحزابهم او من الأجهزة الرقابية والهيئات المختصة بالنزاهة والتفتيش والقضاء او المحاكم التابعة ذيليا وسياسيا لطبقة الساسة المتنفذين ومن بطانتهم او الذين يقعون تحت ضغوطاتهم وتدخلاتهم.

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*