Home » ثقافة » عشائر الهماوند والصراع الكوردي العثماني
نبيل عبد الامير الربيعي 1

عشائر الهماوند والصراع الكوردي العثماني

الجمعة ٢٠١٧/٠٣/١٠
نبيل عبد الأمير الربيعي
روح البطولة المتأصلة, والقدرة على الصمود, ثم الشعور الفياض بالحرية هي من مقومات الشعب الكوردي, ومن مرتكزات وجوده, وفي هذا يقول الباحث الروسي والدبلوماسي السابق فلاديمير مينورسكي (إن الشعور بالحرية والاستقلال قوي جداً عند الكورد, وهو من مقومات الوجود الكوردي, وينعكس في تاريخ الحركة الكوردية), من هنا يفترض انتقاء التساؤل القديم العقيم حول وجود أو لا وجود أمة كوردية متميزة بين الأمم, فالكورد موجودون على مسرح التاريخ منذُ القدم, وهو ينتمون إلى أمة واحدة تملك من الخصائص ما يكفي لإعطائها مدلول الأمة الواحدة والمجتمع الواحد.

كان دأب الحكومة العثمانية بعد عام (1826)م, وهو عام القضاء على الانكشارية إخضاع الشعب الكوردي في كل أنحاء كردستان العراق, كانت القبائل الكوردية المستقلة تشن حروباً متواصلة ضد الأتراك وضد بعضهما, وكانت السلطات العثمانية تلجأ إلى تحطيم توحد القبائل الكوردية من خلال زرع بذور الخلاف والانشقاق بينهم, لكنها لم تتمكن من ذلك, وقد دافعت القبائل الكوردية عن توحدها مما حدا بالولاة الذين جاءوا بعد عام (1869-1914)م أن يتخذوا أساليب جديدة لدفع المتاعب التي كانت تسببها لها القبائل الكوردية بثقلها من وطنها الأصلي إلى جهات أخرى.

كانت ليبيا من الأماكن التي وقع عليها الاختيار لتوطين بعض القبائل, والهدف هو لكسر حدَّة ثورات الكورد ضد السلطة العثمانية (1). فكانت على رأس القبائل المرشحة للتوطين والنفي قبيلة الهماوند, فقد كانت هذه القبيلة دائمة الثورة على الحكم العثماني, وهي من اكبر القبائل التي تعيش حول السليمانية وقابلت السلطات العثمانية ثوراتها بإرسال قوات عثمانية لإخمادها سنة (1890م/ 1305هـ), ثم بدأت تفكر جديّاً في نفي زعماء هذه القبيلة نهائياً عن بلادهم(2).

كان الوالي “احمد راسم باشا” في طرابلس الغرب أراد أن يساعد حكومته في إيجاد حل لمشكلة الكورد, وما قد سببوه لها من متاعب, فكتب إلى حكومته في اسطنبول يقترح عليها توطين أعداد من العائلات الكوردية يتراوح عددها بين المائة عائلة والمائتين على أن تقوم الحكومة العثمانية بتقديم ما يلزم لهذه العائلات من مؤن البذور اللازمة لها للزراعة في السنة الأولى على الأقل من مجيئها(3).

بهذا اتخذت حركة التوطين صورة الإبعاد والنفي, والكورد معروفون بصلابتهم وحبهم لبلادهم وطبيعتها الجبلية, ولهذا كانت هذه المحاولات معتدية بالنسبة لهم وظالمة(4).

وافقت الحكومة العثمانية على الاقتراحات التي تقدم بها “احمد راسم باشا”, وكانت بإرسال بعض الأسر الكوردية من قبيلة الهماوند إلى مدينة طرابلس. كما قامت في سنة (1890)م باختيار بعض الكورد الذين يمثلون خطورة على الدولة, والذين سبق أن رحلتهم إلى منطقة أزمير على ساحل الأناضول المطل على البحر المتوسط, وأرسلت مجموعة إلى مدينة بنغازي لتوطينهم في الجبل الأخضر وأخرى الى طرابلس الغرب(5).

وقد حدثت بعد ان وصلت المجموعة المتجهة إلى طرابلس أن رفضت ما عرضته عليها حكومة الولاية بخصوص مواطنيها في منطقة سرت على أن تقوم بفلاحة الأرض هناك وزراعتها, وقد تعهدت حكومة الولاية بتقديم كل ما يلزم من بذور بعد ان صرفت لها الأموال اللازمة لتسهيل فرصة الحياة الجديدة أمامها حيث خصصت حكومة الولاية (قرش صاغ تركي) لكل فرد من أفراد الأسر الكوردية المهجرة يومياً (6).

وقد حاول “احمد راسم باشا” أن يجد حلاً لمشكلة هؤلاء الكورد بعد أن رفضوا قبول المشروع الزراعي لاستيطانهم في سرت فسعى الوالي إلى إلحاق العزاب منهم بالقوات المسلحة النظامية العامة في البلاد وفي القوات البحرية التي كانت تحتاجها السفن الحربية العثمانية في الموانئ الليبية (7). كما الحق بعضهم بقوة الحراسة والأمن في البلاد, ولكن الكورد الوافدين لم يقبلوا كل هذا, وفضلوا العودة إلى بلادهم بإصرار مما دفع الوالي ان يكتب إلى حكومته في اسطنبول ليخبرها بفشل كل المحاولات التي بذلتها حكومة الولاية لإقناع الكورد الوافدين بقبول الحياة الجديدة, وقد عدَّ الوالي الباشا ذلك بان جماعات الكورد الذين جاءوا الى سرت لم تكن من الفلاحين الذين يعتمدون على الزراعة في حياتهم العامة, وهي التي تعودت على التنقل والترحال وما يصاحب هذه الحياة من مظاهر اجتماعية خاصة اشتهرت بها القبائل التي احترفت التنقل والغزو وعدم الارتباط المطلق بالأرض المحدودة المعالم.

زاد حنين الكورد إلى وطنهم الأصلي والى بلادهم الشيء الذي دفع بعضهم إلى محاولة الهرب, وقام بعضهم فعلاً وعلى رأسهم زعماء الهماوند ((محمد أغا بن سليمان, رشيد بن فتاح, عبد القادر بن حسين بك, حسين بن علي, مصطفى ابن كامل, كريم بن فتاح, وحسن بك)), قاموا بالاتجاه ناحية الشرق, ولكن سلطات الولاية تتبعتهم واستطاعت قواتها من الضبطية أن تلحق بهم, وان تتبادل معهم إطلاق النيران وان تقبض عليهم وتصادر أسلحتهم بعد أن قتلت زعيمهم “حسن بك”, وقد تم استجوابهم في (19 ذي القعدة سنة 1310)هـ (8).

بعد هذه المحاولات بالهروب وإصرار الكورد على عدم قبولهم الاندماج في المجتمع الجديد, مما اضطر “احمد راسم باشا” في سنة (1893)م أن يحصل على موافقة الحكومة العثمانية على عودة هؤلاء الكورد ثانية إلى أزمير, ولذلك فشل مشروع التوطين لتمسك القادة الكورد بوطنهم الأصلي.
المصادر /
1- مصطفى عبد الله بعيو. المشروع الصهيوني لتوطين اليهود في ليبيا. ص25. الدار العربي للكتاب. ليبيا سنة 1975.
2- د. حامد محمود عيسى. القضية الكوردية في العراق. من الاحتلال البريطاني الى الغزو الامريكي 1914-2004. مكتبة مدبولي.ط1. 2005م. ص25.
3- احمد صدقي الدجاني. ليبيا قبل الاحتلال البريطاني. تو طرابلس الغرب آخر العهد العثماني الثاني 1882/1911م. المطبعة الفنية الحديثة. القاهرة. ص60. سنة 1971.
4- مصطفى عبد الله بعيو. مصدر سابق. ص25.
5- مصطفى عبد الله بعيو. مصدر سابق.ص16.
6- ملف المنفيين الهماوند. دار الوثائق القومية بالجماهيرية العربية الليبية ؛ د. حامد محمود عيسى. مصدر سابق. ص26.
7- مصطفى عبد الله بعيو. مصدر سابق. ص17/18.
8- حامد محمود عيسى. مصدر سابق. ص27.

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*