Home » اراء و مقالات » كيف تتحول المناصب الحكومية إالى (لزكة جونسون)!؟
العراق1

كيف تتحول المناصب الحكومية إالى (لزكة جونسون)!؟

الجمعة ٢٠١٧/٠٣/١٧
باسل عباس خضير…
كيف تتحول المناصب الحكومية إلى (لزكة جونسون)؟! (لزكة جونسون).. هي عبارة عن مادة طبية تستخدم موضعيا لتخفيف الآلام وكانت شائعة الاستخدام عندما لم تكون الخدمات الصحية منتشرة بالشكل الذي يلبي حاجة العراقيين في القرن الماضي حيث كان يسود اعتقادا للكثير بأنها بلسما لكل الأوجاع، والمادة اللاصقة فيها من القوة بحيث يمكن بقائها حتى أثناء السباحة والغسيل ولهذا ارتبط اسمها بصعوبة إزالتها باعتبارها مادة لاصقة بالفعل… ولأن العراقيين يجيدون استخدام الأمثال والتندر ببعض المفردات فقد اقترنت لزكة جونسون بالأشياء والأشخاص اللذين من الصعوبة إزالتهم أو إزاحتهم أو مغادرتهم أو تركهم لأماكنهم، ومنهم أصحاب المناصب والمواقع الحكومية الذين يبقون في مناصبهم لمدة طويلة وخارج السياقات والنصوص القانونية المتعارف عليها وهم لا يقدمون شيئا بل يزيدون الأمر سوءا وتعقيدا عاما بعد عام، فهناك إدارات بقيت على حالها في المواقع التنفيذية أو الاستشارية منذ (2004) ولحد اليوم وخلال هذه السنوات بقيت تراوح مكانها أو إنها تعود بالعجلة إلى الخلف لان اختيارها لم يكن صحيحا، وهؤلاء تتعجب لأمرهم لأنهم يتشبثون بالمناصب ويتنقلون هنا وهناك لنشر الفشل في كل مكان، ومما دفعنا لتناول هذا الموضوع هو ما نشهده سنويا من إحالة المئات من أصحاب الكفاءات العراقية الحقيقية الفذة إلى التقاعد، إذ لم تعد لدى اغلبهم الرغبة لتمديد خدماتهم لأنهم يشعرون بان لا مكان لهم لان البعض يعطي الاهتمام للفاشلين وعديمي الخبرة والأهلية و مزوري الشهادات أو الذين تدور حولهم شبهات الفساد ممن يضيفون عبئا على الوظيفة العامة وسمعتها وأداء الأجهزة الإدارية ومستوى رضا العاملين.

وتهتم الدول والمنظمات بإعداد القادة لما يشكلونه من أهمية بالغة في إحداث التغيير الايجابي والتشجيع على ولوج التقانات الحديثة وتحقيق الأهداف الكمية والنوعية بوقتها المناسب، والمنظمات الناجحة تتبنى أهدافا تتعلق بالعاملين والمنظمة ممثلة بالمالكين والمجتمع، وهناك مناهج متعددة تستخدم في مجال اختيار وإعداد وتطوير قادة اليوم والمستقبل يضيق المجال لذكرها هنا ولكنها تقوم على قاعدة وضع الشخص المناسب في المكان والظرف الملائم، وعلى العموم فان نجاح القادة يعتمد على مجموعة من العوامل المتعلقة بهم (الرغبة، المقدرة، الكارزمة) والعوامل الخارجية (الهدف، الجماعة، الموقف، البيئة، الإمكانيات)، ولأن العوامل الداخلية والخارجية عرضة للتغير أو التغيير فانه غالبا ما تحدد مدة زمنية لتولي المهام القيادية ليتم بعدها الإعادة إلى حقول العمل أو الاستفادة من الخبرات كمستشارين أو الترقية لوظائف أعلى أو الإحالة إلى التقاعد عند بلوغ اعمار معينة، ولأهمية اختيار القادة بشكل دقيق يتم تبني برامج لتمكين القيادات من قبل مؤسسات رصينة تتولى تزويد المشاركين بالمعارف والخبرات والمهارات والدافعية اللازمة في مفاصل مهمة من العمل القيادي، و نقصد بالذات القيادة ذات العلاقة بالاختصاصات في مجالات الحياة حيث يعول عليها في حقول العمل كونها الأساس في زيادة إنتاج الدخل القومي.

والمنهج الذي تحدثنا عنه لم يتم تبنيه بشكل علمي وعملي متكامل في بلدنا منذ قيام الدولة العراقية في القرن الماضي لان الاختيارات كانت تتم على أسس محددة لذلك يخلو بلدنا من تجربة غنية بالتكنوقراط، وقد ازداد الأمر تعقيدا بعد (2003) إذ تحول الاختيار إلى أسبقيات معينة اغلبها بعيدة عن المعايير الموضوعية أو الحد الأدنى من المواصفات، وقد ظهرت نتائج الاختيارات الخاطئة من خلال العجز عن تحقيق الأهداف والتراجع الواضح في تلبية الحاجة والطموح ناهيك عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والترهل بعدد العاملين وضعف استخدام معايير الجودة، فضلا عن شيوع حالات غير مرغوبة كالمحاصصة والمحسوبية والمنسوبية والشللية وسعي البعض لمحاربة الكفاءات الوطنية وسيطرة عناصر من المنتفعين والمتطفلين على المزايا والتسهيلات، ويتصرف البعض وكأن الجهاز الإداري الحكومي مملوك لأشخاص محددين أو جهات معينة وليس الدولة التي تتولى الإدارة التمويل، وقد انتقلت العدوى إلى بعض الأجهزة الرقابية وتشكلت منظومات بطريقة التكاثر غير الرسمي هدفها التستر على الأخطاء ورعاية المسيئين والمخالفين، ويتم ذلك خارج الأطر التشريعية والشرعية للدولة التي تدعوا لاعتماد الكفاءة والفاعلية وتعويض مظلومية الشعب ورصد المخالفات والتي تحول اغلبها إلى شعارات غير قابلة للتطبيق ومنتجة للازمات.

ورغم إن المقولة المشهورة (الوحدة بآمرها) لا تزال تحظى بالمقبولية نسبيا إلا إنها خارج زمانها في الوقت الحالي لان المنظمات الحديثة تعتمد على التفاعل الايجابي بين القائد وبقية العاملين، فهناك ثلاثة عوامل يقال إنها من المؤكد تؤدي إلى تقاعس العاملين وانتشار الفساد بأنواعه وهي تعيين مدراء غير أكفاء وتنقصهم الرغبة أو المقدرة مع غياب برامج التأهيل والتطوير، والعامل الثاني هو عدم استبدال القادة وأصحاب المناصب الإدارية عند انتهاء مدتهم المحددة رغم عدم قدرتهم على الأداء والتجديد والتطوير، وثالثها التمجيد والشخصنة لإبقاء الفاشلين وغير النزيهين بتأثير الحملات الدعائية وإسناد منجزات وهمية لهم تصادر حقوق الغير، فهذه العوامل تصنع الإحباط لدى المخلصين الكفوئين وتشعرهم بان الإدارات المعنية تتعمد تكريس الفشل مما قد يدعوهم لدعم الفساد أو الإسهام به أو السكوت عن حدوثه على الأقل، وفي الجانب الآخر فان إنهاء خدمات الإدارات الكفوءة في الوقت غير المناسب وعند عدم إنهاء أهدافها يؤدي إلى النتائج نفسها سيما عند استبدالهم بأقل مستوى من الكفاءات، ولغرض تحاشي عدم القبول والرضا بين الأفراد والحيلولة دون وقوع الصراعات فمن المفضل إتباع سياسات عادلة في الإحلال بتحديد سقف أعلى لإشغال المناصب وتوضيح الحالات والظروف التي يتم بها التمديد، مع وجوب إشاعة ثقافة الاستقالة والاعتزال عندما تكون هناك أخطاء أو عند الشعور بعدم القدرة على الانجاز كونها واحدة من عوامل الإصلاح، وهو ما لم تعمل به الكثير من إداراتنا لأنها تعمل بالاستثناء لذلك يسعى البعض إلى أن (يطول) ليستفيد وليس يطور ليفيد.

ومن أشكال الاستثناءات التي تدمر أقوى المنظمات وليس المنظمات الهشة فحسب هو التعيين بالوكالة أو على سبيل التكليف أو إضافة واجبات قيادية أخرى بالوكالة إضافة للمنصب الأصلي الذي يتم إشغاله بالوكالة، رغم الاختلاف في الاختصاص وعدم توفر الوقت الكافي لانجاز الأعمال في ظل المركزية المفرطة والتخوف من تخويل الصلاحيات وكأن الموضوع هو لإظهار قوة التحمل فحسب، وهذه المسألة لم يتم حلها بعد رغم ورودها ضمن منهاج الإصلاح الذي عرضه دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور العبادي وتبناه مجلس النواب، فاغلب المناصب يتم إشغالها بالوكالة رغم مرور (14) سنة على التغيير وأغلب أسباب عدم الاستقرار والتثبيت في المناصب القيادية والتخصصية لأجهزة الدولة هي سياسية وليست إدارية، وكما هو معروف فان الوكالات تؤدي إلى حالات غير ايجابية لكل الأطراف حسب ما ورد في مختلف الأدبيات المعنية بهذا الخصوص، كما إنها تشجع الفاسدين والفاشلين على إيجاد أغلفة يحتمون بها ويحققون فيها مصالحهم الشخصية على حساب المصالح الوطنية والعليا، ومن ألأسباب الأخرى لتخلف الأجهزة الإدارية التمديد والتدوير لغير الكفوئين ممن انتهت ولايتهم للمنصب بشكل يقتل الدافع والطموح لدى المتميزين والمبدعين في إشغال المناصب باستحقاق لان ذلك يشعرهم بان الفرص محجوزة لفئات محددة وكأن البلد قد خلى من غيرهم رغم إنهم اخذوا فرصتهم أو إنهم ليسوا من ذوي الأداء المطلوب، فـ (سر) وجودهم واستمرارهم هو تقديم الولاءات والتنازلات أو تبادل المنافع غير الرسمية مع الآخرين والتمسك بالمناصب بطريقة أو بأخرى وبشكل يجعل وجودهم أشبه بـ (لزكة جونسون).

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*