Home » ثقافة » الأخلاق والسياسة.. الأمل الكبير (2-2)
غالب الشابندر

الأخلاق والسياسة.. الأمل الكبير (2-2)

الثلاثاء ٢٠١٨/٠٣/٠٦
غالب حسن الشابندر…
الناس على دين ملوكهم…
كلمة ليست جزافية، وربما جاءت من معاينة، من معايشة، ومثلها لا تأتي من تأمل نظري ميتافيزي مجرد، بل من واقع ملموس، من واقع معيوش.
إن الدعوة إلى تحكيم حاكم أخلاقي قضية قديمة، ضرب في سهمها علماء وفلاسفة الإغريق، وليس من شك أن مدينة الفارابي الفاضلة ليست بعيدة عن هذا المنحى، وهي في هذه التصورات حاجة نظرية، فيما نحن نتحدث عن حاجة واقعية، عن حاجة تتصل بمعاشنا، بدمائنا، نريد حاكماً أخلاقياً بالمعنى الشعبي الدارج، حيث نفهم الأخلاق بهذه المعادلات البسيطة، أي الأخلاق التي نعلم عليها أولانا، ونربي عليها بناتنا، الحب والصدق والعدالة والشجاعة…
إن التوكيد على الحاكم المتخلق بالخلق الرفيع أدب شعبي، أدب تراثي، أدب علمي بلحاظ طبيعة شعوب الشرق، الشعوب التي ما زالت تحتفظ بجذوتها الروحية، ننطلق من تقديرات واقعية.

كانوا يقولون
كان كتابنا ومفكرونا يكتبون عن شروط الحاكم وليس عن شروط الحكومة إلا ما ندر، وربما ذلك لأن الحكومة كانت تستند إلى الشريعة، لا نقاش في ذلك بينهم، ولكن مشكلة الحاكم هي التي كانت تشغل فكرهم ونظرهم، فشددوا على شروط الحاكم، هل يشترط فيه العدل؟
هل يشترط فيه اللون؟ هل يشترط فيه نسب خاص؟ وبالتالي، فإن حديثنا عن حاكم ملتزم بالأخلاق لا يخرج عن هذه الدائرة التراثية المهمة، ومرة أخرى نقول أن ذلك لا يعني إهمال الدستور، من حيث هو دستور ينص على أصالة الفرد العراقي، وعلى حرياته المتعددة، وعلى المساواة والعدل، وغيرها من القيم الدستورية الحديثة التي تؤكد على قيمة الإنسان وكرامته وعزته وحريته.
ولكن نقول إن الحاكم أو السياسي الملتزم اليوم يعد مكملاً للدستور الناضج الحيوي الناشط، ولماذا نذهب بعيداً، وهذه تجارب حية تكشف عن أهمية هذا الذي نقول، فإن هتلر وصل إلى الحكم فحرف الديمقراطية عن كل قيمها، بل ضرب بها عرض الحائط، وبسبب رعونته كانت الأهوال التي شيبت الولدان، دمر كل ما في أوروبا من خير ورفاهية، كان هتلر حاكماً غير أخلاقي، النازية في جوهر من تكوينها ليست أخلاقية، ليست إنسانية، فانظروا ماذا فعل التردي الأخلاقي الكريه في حال الناس والبشر والطبيعة والحياة والتاريخ.
لقد باع خلفاء الوطن بين أحضان جوار، وباع سياسيون الوطن بين أحضان صويحبات جميلات، بين قناني الخمور المعتقة على موائد تحيط بها جميلات، يعدلون الدستور بكلمة تصدر من شفاه مغرية، يتحايلون على الدستور بطلب غانية تعرف كيف تهز المشاعر الغريزية لتحكم وتأمر…
ألم يحصل هذا في تاريخ الإسلام والرومان والإغريق والعصر الحديث؟
لقد كانت فضيحة كلنتون خطيرة ليس بسبب علاقة كلنتون الشخص بهذه الجميلة بل بسبب علاقة كلنتون الحاكم بها، هذه هي الزاوية التي كانت محل تقييم لكل العملية، لو لم يكن كلنتون رئيساً لما كانت هذه الضجة، ولما كانت هذه الفضيحة بقاموس الصحافة والقضاء الأميركيين.
لقد تجسس نكسون على غرمائه أو على مخالفيه في قضية الانتخابات فسقط، سقط قضائيا وسياسياً وتاريخياً، لماذا هذا السقوط المريع؟ الجواب يتصل بقيم يقولون أنها تحتل في ضمائرهم مكانة مقدسة، فالتجسس خيانة على مستوى الشخص العادي، فكيف بها على مستوى حاكم الولايات المتحدة الأميركية، لم يقولوا أن هذا مخالف للتقاليد الديمقراطية أولا، بل مخالف للأخلاق ثم التقاليد الديمقراطية.
الخيانة الأخلاقية في جزئية من جزئيات الحياة لا تمنع من الخيانة الكلية، من خيانة الوطن، خيانة الدستور، خيانة الشعب، خيانة المواطن، ذلك أن المسؤولية الأخلاقية وحدة لا تتجزأ.
القسم على الوفاء بالدستور إنما هو عمل أخلاقي، ظاهرة أخلاقية، لأن موضوعه الرئيس ليس القسم بما هو قسم، ولا المقسوم به، بل موضوع القسم هو الوفاء، أي هناك قسم على الالتزام الأخلاقي، هناك قسم على الوفاء والإخلاص، وهذه قيم أخلاقية قبل كل شي، ليست دستورية بل أخلاقية.
إن القسم على الوفاء والإخلاص للوطن والشعب والوظيفة نهج يتصل بفلسفة الأخلاق قبل كل شي، يتصل بهذه المنظومة مما نسميه بمكارم الأخلاق.
إن القَسم يشير إلى ضرورة اختيار الحاكم الملتزم بالأخلاق، السياسي الصادق، الرئيس المشهود له بالصدق والأمانة والصراحة والشجاعة.
هذه هي فلسفة القسم بالعمق.

جوهرية الأخلاق
يشكل تأريخ الإنسان مكانة مهمة في تقييم الشعوب العربية والإسلامية، التاريخ يبقى حاضراً في الذاكرة، وجوهر تاريخ الرجال في المفهوم العربي الإسلامي الشعبي هو الأخلاق، فتاريخ الرجل أخلاقه في الحديث العام، في حديث المقاهي، في حديث البيوت، في حديث الدوائر، وأبناء العشيرة و المحلة والمنطقة قد لا يتذكرون حرباً ضروس، ولا إنجازاً كبيراً، بقدر ما يتذكرون أعمال الآخر من زاوية أخلاقية، من زاوية المقبول والمرفوض في العرف الاجتماعي، في التراث، في الدين، في العادات المعمولة…
والناس تنظر إلى الحاكم الذي يحكي تاريخه تطابقاً بين سلوكه وبين هذه المنظومة من القيم الأخلاقية والتراثية الحاكمة على أذواق الناس، أي الحاكم الذي يقيمه التاريخ، التاريخ الذي هو عندهم جماع أعماله السلوكية، في البيت، في المدرسة، في الدائرة، في الشارع… مع نفسه، مع أهله، مع أصدقائه، مع عشيرته، مع حزبه، مع أعدائه…
لماذا يحرص الحكام والملوك على خلق تاريخ أخلاقي لهم؟
لماذا يختلقون مواقف أخلاقية، مواقف محشورة بالمثل، بالشجاعة والكرم والقوة والشهامة والنخوة والتعاون والتواضع؟
لماذا؟
إن الحكام والملوك في الأمم الغربية لا يحتاجون لمثل هذه المسرحيات المصطنعة، لا يحتاجون، ولا يتحدثون بها حتى إذا كانت حقيقية، وشعوبهم لا تهمهم ذلك أبداً، بعيدون عنها، سادرون في قضايا أخرى…
لماذا ؟
لأن التاريخ الأخلاقي قضية جوهرية في تقيمنا نحن العرب و المسلمين، نفتش عن الجذور الأخلاقية، وهي قضية معروفة بلا شك.
وفي الحقيقة نحن مجبورون على اختيار الحاكم الذي ينتمي إلى تاريخ نظيف، تاريخ ينضح بالخلق الكريم، تاريخ يستطيع أن يفتخر به صاحبه، فإن الدستور مهما قيل عن نصاعة بيانه، وروعة أفكاره، يبقى محدداً من الخارج، فيما التاريخ النظيف محدد من الداخل، وكم هو جميل أن يلتقي المحددان في نقطة واحدة، تلك حقيقة ناصعة ذات وقع بديهي لا يمكن التنكر له أبداً؟
التاريخ النظيف قد لا يشكل ضمانة أكيدة، فإن السلطة تغري، وربما تزج صاحبها في أتون خلقي سيئ، رذيل، ربما تغير ماهية البشر، ربما تقلب منطق التاريخ النظيف الذي نتحدث عنه الآن، ربما، والتجارب أثبتت ذلك، ولكن لا يعدم التاريخ النظيف فرصة التلاحم مع جوهره، مع منطقه، مع نصاعته، مع مفهومه، وذلك رغم شيطان السلطة، وسحرها المخاتل، وكرسيها المغري، وفضائها الواسع.
كما أن هناك بعض النماذج لشخصيات مارست السلطة وبقيت محافظة على نزاهتها، لم تتلوث، ولم تتغير، وهذا يجعلها شخصيات تستحق التقدير والثقة وتمنح الشعب القدر المطلوب مما هو منتظر منها.
إن اختيار حامل التاريخ النظيف يعني حامل الخلق الرفيع، وربما يغلب الخلق الرفيع عاديات السلطة، أوهامها التي تهيمن على الضمير المرتبك، على الذات الخاوية،على العقل الأجوف، ربما، لا نقول من المؤكد، فالجزم هنا مجازفة بطبيعة الحال، ولكن من المحتمل.
إن اختيار صاحب التاريخ النظيف ميل موضوعي إذا أخلصنا للأخلاق، للشعب، للأمة، بل للدستور الذي قد يكتب بماء من ذهب، أي دستور راقي حضارياً، ذا مضامين إنسانية كريمة، تعيد للعراقي كرامته المهدورة.
مرة أخرى لا نريد أن نحتكم هنا إلى مقاييس ميتافيزية غيبية لا هوتية، بل ننطلق من الواقع، من مقتربات الواقع، على الأرض، وليس على السماء، وليس صاحب التاريخ النظيف بالضرورة مؤمن بما وراء الغيب، بل هو ذلك البشر الذي يؤمن بالأخلاق، سواء كانت من وحي السماء، أو أمن بها لأنها تراث، أو آمن بها لأنها في حسه جميلة شائقة كريمة شفافة، أو أنه آمن بها لأنها تواضع اجتماعي متوارث…
لا يهمنا المنبع، بل الصيرورة، لا يهمنا السبب، بل الحركة، النتيجة، العطاء الأخير، المحصول النهائي،

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*