Home » ثقافة » دور الشباب في إصلاح العمليّة السياسيّة (2).. هل يمكن أن يعود العراق كما كان؟
صورة محمد توفيق علاوي من الارشيف
صورة محمد توفيق علاوي من الارشيف

دور الشباب في إصلاح العمليّة السياسيّة (2).. هل يمكن أن يعود العراق كما كان؟

الثلاثاء  ٢٠١٨/٠٣/٢٠
د. محمد توفيق علاوي…
تناولنا في الحلقة السابقة واقع الطبقة السياسية الحاكمة. وفي هذه الحلقة نتناول إمكانية عودة العراق كما كان دولة قائدة ورائدة في الشرق الأوسط، بالركون الى البدائل عن الجهلة والفاسدين من الطبقة السياسية الحاكمة، وهم من الشباب وسواهم من المخلصين لبلدهم ومن الأكفاء… ولابد من التأكيد أنه ليس المطلوب إزاحة كل الطبقة الحاكمة، بل الفاسدين والجهلة منهم، كما ليس المطلوب أن يتولى الشباب حكم البلد بالكامل؛ لكن يمكن للشباب أن يكونوا المبادرين في اتخاذ الخطوات الفعلية واللازمة للتغيير، فهم أكثر حيويةً واندفاعاً، وأغلب المبادرات الاجتماعية هي من الشباب.

كان العراق وما زال يزخر بالكثير من الطاقات، وقد أظهر تقييم لدرجة الذكاء في العالم في موقع “targetmap”، نشر في اغلب وسائل الإعلام العالمية عام 2013 اجراه الباحثان البريطاني “ريتشارد لين” والفنلندي “تاتو فانهانين”، أن الشعب العراقي برغم تدهور مستوى التعليم في 2013 هو أذكى شعب في المنطقة العربية، وكان تصنيف ذكاء العراقيين عالمياً يأتي بالدرجة (20)؛ ولو أجري هذا التقييم في أواسط ثمانينات القرن الماضي، حيث كان التعليم بجميع مراحله في أوجّه، لكان الشعب العراقي ضمن أذكى ثلاثة شعوب في العالم، لأن مقياس ومؤشر الذكاء (IQ) في متوسط العمر يتأثر بالمستوى الدراسي والعلمي للشخص.

السبب لهذه الدرجة العالية من الذكاء لدى العراقيين يكمن في تاريخ البلد منذ القدم، فالعراق مهد الحضارات ومهد تلاقحها، قامت فيه مجتمعات متحضرة في علاقاتها الاجتماعية، نشأت فيه أول حضارة على وجه الأرض، هي الحضارة السومرية، وتلتها الحضارات الأكدية والبابلية والآشورية والكلدانية. أول ما اخترعت الكتابة في بلاد وادي الرافدين في الألفية السادسة قبل الميلاد، باستخدام الخط المسماري؛ وكان فن تشريع القوانين متطوراً فيه، وأوضح دليل مسلة حمورابي التي دوّن فيها أهم وأوسع شريعة متكاملة في ذلك الوقت. ثم جاء الاسلام فاستقطب العراق خلال العصر الأول للإسلام اغلب العلماء من بلدان العالم الإسلامي كافة، فترجم الكثير من الكتب الى العربية من اللغات الأخرى في دار الحكمة ببغداد، ومنها كتب الفلاسفة الإغريق، وغدت بغداد مركزاً للعلوم التي انتشرت في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فالخوارزمي مؤسس علم الجبر في بغداد، وجابر بن حيان مؤسس علم الكيمياء التجريبي في الكوفة، والكندي في بغداد والفارابي بين بغداد والشام وابن الهيثم في البصرة، وهؤلاء أبدعوا في الكثير من العلوم، كالطب والصيدلة والفلسفة والفلك والجغرافيا والرياضيات والبصريات. لقد انتقلت الفلسفة الإغريقية التي اندثرت في بلادها في عصر الكنيسة (عصر الظلمات في أوروبا) وكذلك علوم الجبر والكيمياء والطب والصيدلة والفلك والجغرافيا والبصريات والرياضيات بما فيها الصفر والأرقام العربية من بغداد عن طريق الجامعات العربية والإسلامية في الأندلس وصقلية ثم الى أوروبا قبل حوالي ثمانمئة عام.

نعم تراجع دور العراق منذ الغزو المغولي قبل حوالي سبعة قرون، واستمر هذا الوضع خلال فترة الحكم العثماني المتخلّف، ولكن العراق نهض نهضةً متميزةً بجهود أبنائه بعد الحرب العالمية الأولى، فاصبح درّة المشرق العربي بعد الحرب حتى ثمانينات القرن الماضي، وكانت السعودية وجميع دول الخليج متأخرة عن العراق بمراحل كبيرة. كان النظام التعليمي في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، كنظام حكومي مجاني، هو الأول في دول المنطقة حسب تقييم منظمة اليونسكو، ونال العراق في نهاية السبعينات خمس جوائز من اليونسكو لمنهجه المتطور في القضاء على الأميّة، حيث بلغ معدل الالتحاق الإجمالي بالدراسة حوالي 100٪، والنظام الصحي في تلك الفترة كان متميزاً أيضاً، وكان الأول في الشرق الأوسط متقدماً على النظام الصحي لتركيا وإيران بمراحل، ووقعت الكارثة في تسعينات القرن الماضي، حيث تعرض العراق الى حصار ظالم بسبب السياسات المتهورة لصدام حسين، فتقهقر البلد في أثر ذلك بشكل كبير.

مع ذلك لعب العراقيون دوراً علمياً وحضارياً مهماً وتركوا أثراً متميزاً في الداخل والخارج، وللأسف، استخدم صدام تلك القدرات داخل العراق لبناء ترسانته العسكرية من منظومات الصواريخ والبرنامج النووي والأسلحة الكيمياوية والبيولوجية والمدفع العملاق من أجل سياساته الهوجاء التي أوصلتنا الى هذه الحال.

وتوجد الآن طاقات عراقية على درجة عالية من الكفاءة من غير المجال العسكري، فقد تبنّت مؤسسة ماركيز (Marquis) العالمية شخصيتين عراقيتين من داخل العراق ضمن إصدارهم السنوي (Who’s Who) لعام 2016، هما العالم الدكتور حسام علي رئيس قسم هندسة النفط والعالم الدكتور حسين طوكان، رئيس قسم هندسة الطب الحياتي، وكلاهما من جامعة ذي قار ونشرا الكثير من البحوث العلمية المتقدمة، الأول في مجال تكرير النفط والصناعات النفطية، والثاني في أبحاث تكنولوجيا الناتو. كما إن البروفسور الدكتور داخل حسن جريو، رئيس الأكاديمية العراقية، لديه أبحاث متميزة في مجال هندسة النظم والكومبيوتر .وللعالم جليل الخفاجي، الأستاذ في جامعة بابل، أبحاث كيميائية، وكيميائية – طبية على مستوى واسع في عدة مجالات، منها الوقاية من السرطان، وأجرى أبحاثاً ناجحة في جامعة كاليفورنيا بهذا الشأن، ويُطلب منه دائماً إلقاء محاضرات على مستوى عالمي في اليابان والصين، فضلاً عن أميركا وأوروبا، وله أبحاث في إيجاد مصادر الطاقة من الماء وصناعات الحديد والصلب، وحاول الكثير من الشركات الأميركية إبقاءه في أميركا لكنه رفض ذلك. وبرغم تميّزه فقد عجز مالياً عن طبع موسوعته الفريدة من نوعها بشأن (الغازات) حيث له نظريته الخاصة بهذا الشأن والتي يمكن أن تكون مرجعاً عالمياً في علوم الغازات، علمات بأن كلفة طباعتها لا تتجاوز الأربعين ألف دولار. السبب في ذلك أن اغلب الحكّام هم من الجهلة ولا يفقهون قيمة إنجازاته العلمية.

أما خارج العراق، فإن الكوادر العراقية المنتشرة في العالم لها انجازات عظيمة، فنسبة المثقفين وحاملي الشهادات العليا في بريطانيا على سبيل المثال، من الأصول العراقية أكثر من ضعف أمثالهم من الجاليات الأخرى كالهندية والباكستانية، مع أن هجرتهم سبقت هجرة العراقيين ووضعهم أكثر استقراراً من وضع العراقيين. ويزيد عدد الأطباء العراقيين في بريطانيا عن أربعة آلاف طبيب، كثير منهم على درجة عالية من التميّز والعلم والإبداع.

هناك عشرات النماذج الكفوءة وبدرجة عالية جداً خارج البلد، وقد تبيّن أن أغلب العائدين الى البلد من العراقيين هم من غير الأكفاء العاطلين والكثير منهم صار من الفاسدين، فيما بقي الكثير من الأكفاء خارج العراق ولم يعودوا بعد اكتشافهم الدرجة العالية من الفساد المستشري، وخوفاً من عمليات الاغتيال المبرمج للكفاءات، ولهذا نشأت فكرة سيئة عن مزدوجي الجنسية ممن عادوا الى العراق، إذ كان أكثرهم من الجهلة ومن الفاسدين، أما الجيّدون فلا يرغب الغرب بالتخلي عنهم وعودتهم الى بلدهم، وقد أخبرني الدكتور إبراهيم الجعفري عندما كان رئيساً للوزراء، أن رئيس الوزراء البريطاني السابق (توني بلير) طلب منه ألا يسعى لإعادة الأطباء العراقيين الى العراق لأن بريطانيا بحاجة ماسّة إليهم.

هناك شخصيات علمية خارج العراق لعبت دوراً رائداً في المجال العلمي، كالدكتور محمد الحسني الرائد في مجال الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) اذ قامت وكالة الفضاء الأميركية (NASA) بتبنّي برنامجه المتطور لإصلاح العطلات في المركبة الفضائية (Colombia) في ثمانينات القرن الماضي، والدكتور عبد المجيد سلماسي، الطبيب الذي يصنّف ضمن الفريق الأول في بريطانيا في أبحاث الأجهزة الطبية لفحص القلب (Doppler Ultrasound)، لديه أربعة كتب في أمراض القلب تُدرّس في أغلب الجامعات البريطانية، والبروفسور الدكتور حامد الرويشدي، الأستاذ في جامعة برونيل (Brunel) البريطانية في مجال الاتصالات، وتخرّج على يديه مئات الطلبة من أنحاء العالم كافة في أقسام الدراسات العليا في الجامعة، والطبيب العراقي في استراليا الدكتور منجد المدرس، الذي لديه انجاز عالمي متميّز تفتخر به استراليا، حيث يتجه إليه المرضى المعاقون من مختلف أنحاء العالم لتركيب الأطراف الصناعية التي تتميّز بأن فعاليتها مقاربة جداً للأطراف الطبيعية؛ والعالم كله يعرف المهندسة المعمارية العراقية الموهوبة المرحومة زهاء حديد، التي كانت تعتبر قبل وفاتها عام 2016 المهندسة المعمارية الأولى في العالم، ومشاريعها تغطي جميع أنحاء العالم، ومهندس النفط والاقتصادي فاروق القاسم، الذي تبنّت النرويج أطروحته الاقتصادية، ويعتبر باني الاقتصاد النرويجي المعاصر، وبالذات استغلال موارد النفط بالطريقة المُثلى، وقلّده ملك النرويج وسام الفارس من الدرجة الأولى، وهو أعلى وسام يُمنح فهناك؛ ووزير الصحة في بريطانيا الدكتور آرا درزي، العراقي الجنسية والمولد والأرمني الجذور، الذي حصل على لقب “سير” من ملكة بريطانيا عام 2002 لإنجازاته في الطب والجراحة ولقب لورد عام 2007 حيث وضع ارقى وأهم تعديل جذري للنظام الصحي البريطاني.

ساهم العراقيون بدور فاعل في النهضة العمرانية والحضارية المتميّزة في بلدان الخليج منذ ستينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا؛ وقد اطلعت والكثير من القرّاء على أحد البرامج التلفزيونية العربية الذي اثبت أن الشعب العراقي هو من أكثر الشعوب كرماً وجوداً وسخاءً. هؤلاء هم العراقيون الحقيقيون، لا استطيع أن أتخيل أن العراق الذي أنتج كل هذه النماذج الجبارة، بينما نجد أن الكثير ممن تصدّوا لموقع المسؤولية هم في قمّة الجهل، بل الأنكى من ذلك، ما زال العراق في آخر السلّم في مستوى الفساد، وقد اخرج العراق عام 2017 من التصنيف العالمي لجودة التعليم على مستوى المدارس والجامعات حسب تقييم المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس!

هل يمكن أن يستعيد العراق وضعه الطبيعي كما كان في الخمسينات والستينات والسبعينات وجزءاً من ثمانينات القرن الماضي؟

نعم هذا ممكن جداً، لكنه لا يتحقق إلاّ بإزاحة الجهلة والفاسدين من الطبقة السياسية الحاكمة واستبدالهم بالأكفاء والمخلصين من أبناء بلدنا، وهذا ما سنتناوله في الحلقة المقبلة.

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*