Home » ثقافة » الأخلاق والسياسة.. الكفاءة (2)
غالب الشابندر

الأخلاق والسياسة.. الكفاءة (2)

الأربعاء  ٢٠١٨/٠٣/٢٨
غالب حسن الشابندر…
لا أحد ينكر أهمية الكفاءة، وفي القرآن الكريم نقرأ قوله تعالى (يا أبتِ استأجره فإن خير من استأجرت القوي الأمين)، لا ينكرها أحد، ولكن النزاهة هي الأول، هي المعيار الأول، ذلك أن الكفاءة يمكن تحصيلها بالتجربة، بالتعليم… يمكن التعويض عنها بمجربين، بخبراء، بقراءة، بتواصل مع أهل الخبرة، ولكن النزاهة خلق، وتاريخ، ودين، ومسؤولية، هي قضية ضمير، قضية تسالم مع الحق، وانصياع طوعي واعٍ مع السمو والرفعة، قلما تأتي بالتعليم، لأنها قضية ضميرية، تتعلق بعقيدة الإنسان، بتاريخه، بمحيطه التربوي، برؤيته للأشياء.

لا نريد أن نقول إن الأخلاق لا تتأتى بدون قاعدة فكرية غيبية، تتصل بالسماء، وتتلون بلون ميتافيزي ممتد إلى تشوف روحي صرف، لسنا مع هذا الرأي بالضرورة، بل نحن من مبدأ الأخلاق بالذات، مبدأ النزاهة بالذات، بصرف النظر عن أسسه التي ينبع منها، نحن نتحدث عن قضية تجريبية، حسيّة، حيث نقول إن النزاهة السياسية، والنزاهة الاقتصادية والنزاهة في العلاقات، والنزاهة في التعامل مع العدو والمخالف، هذه النزاهة لها دور كبير في ترشيد الحكم فيما إذا كان الحاكم متصفاً بها، تابعاً لقواعدها، ملتزماً بضروراتها ومستحقاتها.

النزاهة عملية داخلية، والكفاءة عملية خارجية، والأمل الكبير أن تجتمعا، أن تتفاعلا، أن تتداخلا، أن تكونا جناحي الحاكم العراقي الجديد، أو المسؤول السياسي العراقي الجديد.

النزاهة من الصعب أن تأتي، ولكن الكفاءة من السهل أن تأتي، تلك سجية، وهذه عادة، تلك جوانية وهذه برانية، تلك ذات من الداخل، وهذه ذات من الخارج.

الشعب العراقي في حاجة إلى حاكم محكوم من الداخل بمسؤولية الضمير، حقاً يحتاج إلى حاكم يحمل ذاتاً طهورية، ذاتاً رسولية، مترفعة، ليس تكبراً، بل لأن الوازع الأخلاقي يحتل مكانة جوهرية من تركيبته النفسيّة والروحيّة.

الشعب العراقي كغيره من الشعوب العربية والإسلامية يتأثر بالقدوة أكثر مما يتأثر في الفكرة، تلك حقيقة، وليس هنا مجال تحليلها، ولكنها ظاهرة لا لبس فيها، ولعلّ كان ذا تجربة عميقة ذاك الذي قال (الناس على دين ملوكهم)، فإن القدوة مسار خطير في عموم التاريخ الذي مر على شعبنا العراقي، خاصة اليوم، حيث الناس تتطلع إلى العدالة و الحق والخير.

إن الدستور العادل لا يعني بالضرورة حاكماً عادلاً، فقد يكون هناك دستور جميل فائق الميزان، ولكن هناك حاكم يخلّ بهذا الميزان بكل صلف وبلادة، وعليه فإن إقامة العدل لا يحتاج إلى قانون عادل بل إلى حاكم عادل أيضاً.

إن الحاكم المتخلق بأخلاق الحكماء والطيبين، ليس ضرورة لإقامة حكم العدل وحسب، بل هو ضرورة لصنع المجتمع العادل، العادل في مواقفه وسياسته وتصرفاته، فإن القدوة تخلق المجتمع، تغيّر المجتمع، تصنعه باتجاه فكرها وخيرها وشرها وجمالها وقبحها…
ينقل عن الرسول (ص) قوله: (كما تكونوا يولّى عليكم)، هل في ذلك دلالة على أن الحكام منظومة حكمية اجتماعية؟.
نعم، بكل تأكيد.

إن حكّام الجور يخلقون مجتمعاً معقداً، بارداً، متخلفاً، رغم أن تحت وسائدهم دساتير جميلة، وقوانين رائعة وشفافة..
إن حكّام العدل، حكام الخلق الرفيع يخلقون مجتمعاً مفتوحاً، شجاعاً، متحفزاً في سبيل الخير، رغم أن ما في حوزته من دساتير وقوانين ظالمة مجحفة متخلّفة.

كلمة الحاكم تنفذ عبر كل وسائل الإعلام، تقرأ من قبل الملايين، وتفسّر من قبل الآلاف، تصل كل أذن، تصرف الحاكم مرصود للنقد ومرصود للتقليد، ومرصود للاستغلال، لباس الحاكم مرصود للمحاكاة والتشبّه، فهو حاكم، أي هو قدوة، هو قوة، سلطة، إمكانية، أمر ونهي، بيان، وبالتالي، لا يمكن أن نعزل تاريخه، وبالتالي ما يصدر منه قد يقلب فكرة، وقد يزرع فكرة، قد يخلق قيمة، قد يحذف قيمة، لأن كل كلمة من كلماته، وكل تصرف من تصرفاته تقترن بمركب هائل من الممكنات والقدرات والتصورات والذكريات، تنفذ إلى حاسة السمع، وحاسة البصر، لتقبع في غرف التحليل، ولتقبع في غرف الأماني والرغبات، هناك يتحول الحاكم إلى بنية من الواقع المعقد…

الناس على دين ملوكهم…
كلمة ليست جزافية، وربما جاءت من معاينة، من معايشة، ومثلها لا تأتي من تأمل نظري ميتافيزي مجرد، بل من واقع ملموس، من واقع معيوش.
إن الدعوة إلى تحكيم حاكم أخلاقي قضية قديمة، ضرب في علماء وفلاسفة الإغريق، وليس من شك أن مدينة الفارابي الفاضلة ليست بعيدة عن هذا المنحى، وهي في هذه التصورات حاجة نظرية، فيما نحن نتحدث عن حاجة واقعية، عن حاجة تتصل بمعاشنا، بدمائنا، نريد حاكماً أخلاقياً بالمعنى الشعبي الدارج، حيث نفهم الأخلاق بهذه المعادلات البسيطة، أي الأخلاق التي نعلّم عليها أولانا، ونربّي عليها بناتنا، الحب والصدق والعدالة والشجاعة…

إن التوكيد على الحاكم المتخلق بالخلق الرفيع أدب شعبي، أدب تراثي، أدب علمي بلحاظ طبيعة شعوب الشرق، الشعوب التي ما زالت تحتفظ بجذوتها الروحية، ننطلق من تقديرات واقعية.

كانوا يقولون
كان كتّابنا ومفكرونا يكتبون عن شروط الحاكم وليس عن شروط الحكومة إلاّ ما ندر، وربما ذلك لأن الحكومة كانت تستند إلى الشريعة، لا نقاش في ذلك بينهم، ولكن مشكلة الحاكم هي التي كانت تشغل فكرهم ونظرهم، فشدّدوا على شروط الحاكم، هل يشترط فيه العدل؟
هل يشترط فيه اللون؟ هل يشترط فيه نسب خاص؟ وبالتالي، فإن حديثنا عن حاكم ملتزم بالأخلاق لا يخرج عن هذه الدائرة التراثية المهمة، ومرة أخرى نقول إن ذلك لا يعني إهمال الدستور، من حيث هو دستور ينص على أصالة الفرد العراقي، وعلى حرياته المتعددة، وعلى المساواة والعدل، وغيرها من القيم الدستورية الحديثة التي تؤكد على قيمة الإنسان وكرامته وعزّته وحريته.

ولكن نقول إن الحاكم أو السياسي الملتزم اليوم يعد مكملاً للدستور الناضج الحيوي الناشط، ولماذا نذهب بعيداً، وهذه تجارب حيّة تكشف عن أهمية هذا الذي نقول، فإن هتلر وصل إلى الحكم فحرف الديمقراطية عن كل قيمها، بل ضرب بها عرض الحائط، وبسبب رعونته كانت الأهوال التي شيّبت الولدان، دمّر كل ما في أوروبا من خير ورفاهية، كان هتلر حاكماً غير أخلاقي، النازية في جوهر من تكوينها ليست أخلاقية، ليست إنسانية، فانظروا ماذا فعل التردي الأخلاقي الكريه في حال الناس والبشر والطبيعة والحياة والتأريخ.

لقد باع خلفاء الوطن بين أحضان جوار، وباع سياسيون الوطن بين أحضان صويحبات جميلات، بين قناني الخمور المعتقة على موائد تحيط بها جميلات، يعدلون الدستور بكلمة تصدر من شفاه مغرية، يتحايلون على الدستور بطلب غانية تعرف كيف تهز المشاعر الغريزية لتحكم وتأمر…

ألم يحصل هذا في تاريخ الإسلام والرومان والإغريق والعصر الحديث؟
لقد كانت فضيحة كلنتون خطيرة ليس بسبب علاقة كلنتون الشخص بهذه الجميلة بل بسبب علاقة كلنتون الحاكم بها، هذه هي الزاوية التي كانت محل تقييم لكل العملية، لو لم يكن كلنتون رئيساً لما كانت هذه الضجة، ولما كانت هذه الفضيحة بقاموس الصحافة والقضاء الأميركيين.

لقد تجسس نكسون على غرمائه أو على مخالفيه في قضية الانتخابات فسقط، سقط قضائياً وسياسياً وتاريخياً، لماذا هذا السقوط المريع؟ الجواب يتصل بقيم يقولون إنها تحتل في ضمائرهم مكانة مقدّسة، فالتجسس خيانة على مستوى الشخص العادي، فكيف بها على مستوى حاكم الولايات المتحدة الأميركية، لم يقولوا إن هذا مخالف للتقاليد الديمقراطية أولاً، بل مخالف للأخلاق ثم التقاليد الديمقراطية.

الخيانة الأخلاقية في جزئية من جزئيات الحياة لا تمنع من الخيانة الكليّة، من خيانة الوطن، خيانة الدستور، خيانة الشعب، خيانة المواطن، ذلك أن المسؤولية الأخلاقية وحدة لا تتجزأ.

القسم على الوفاء بالدستور إنما هو عمل أخلاقي، ظاهرة أخلاقية، لأن موضوعه الرئيس ليس القسم بما هو قسم، ولا المقسوم به، بل موضوع القسم هو الوفاء، أي هناك قسم على الالتزام الأخلاقي، هناك قسم على الوفاء والإخلاص، وهذه قيم أخلاقية قبل كل شيء، ليست دستورية بل أخلاقية.

إن القسم على الوفاء والإخلاص للوطن والشعب والوظيفة نهج يتصل بفلسفة الأخلاق قبل كل شيء، يتصل بهذه المنظومة مما نسمّيه بمكارم الأخلاق.

إن القَسم يشير إلى ضرورة اختيار الحاكم الملتزم بالأخلاق، السياسي الصادق، الرئيس المشهود له بالصدق والأمانة والصراحة والشجاعة.
هذه هي فلسفة القسم بالعمق.

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*