Home » اراء و مقالات » دور الشباب في إصلاح العملية السياسية (3) .. كيف نجد مَنْ ينهض ببلدنا؟
صورة محمد توفيق علاوي من الارشيف
صورة محمد توفيق علاوي من الارشيف

دور الشباب في إصلاح العملية السياسية (3) .. كيف نجد مَنْ ينهض ببلدنا؟

الإثنين ٢٠١٨/٠٤/١٦
د. محمد توفيق علاوي…
غادرت العراق إلى لبنان بداية عام 1977 وسافرت بعدها الى دولة عربية، وفي الحدود طلب مني الضابط العسكري أمراً، ولكني لم أكن أفقه لهجته، فأعاد طلبه فقلت: لا أفقه ما تقول، فقال: (إني أقول لك أكرمني) فعرفتُ قصده، ولكنني تفاجأت… فهو ضابط عسكري على كتفه عدة نجوم، فأعطيته مبلغاً من المال لا استطيع أن اتذكره، وعندما التقيت بمضيّفي في ذلك البلد واخبرته بالحادثة وكم دفعت، قال: لقد دفعت له مبلغاً كبيراً، فقلتُ له: لم يسبق لي أن دفعت رشوةً في حياتي، فنحن في العراق لا نعرف هذا الأمر.

بعد تلك الحادثة بثلاثين عاماً، رجعت الى العراق وتوليت وزارة الاتصالات، فأصبتُ بصدمة كبيرة لم أكن اتوقعها، فقد وجدتُ الرشى والفساد ضاربين بأطنابهما في جميع مؤسسات الدولة ومناحي الحياة كافة، وتساءلت بيني وبين نفسي:”هل هنالك امكانية لإصلاح الوضع في العراق الجديد والنهوض بالبلد؟”.

هذا الأمر قادني الى إجراء تجربة ميدانية لعيِّنة صغيرة لا تعكس صورة الواقع بشكل كامل ولكنها قد تعطي صورة مقربة لمعرفة نسبة الاكفاء والمخلصين لبلدهم، حيث بدأتُ بعمل احصائية للنزيهين والاكفاء من الكادر المتقدم في الوزارة ممّن هم قريبون مني ويمكنني معرفتهم [وجدت إن عدد هذا الكادر المتقدم حوالي خمسين موظفاً وعاملاً، واستطيع أن اقول بكل ثقة أن عدد النزيهين والمخلصين فيهم لا يقل عن عشرة موظفين، وهذا لا يعني أن الاربعين الباقين ليسوا نزيهين، ولكن لم تكن لي معرفةً تفصيلية بهم لكي أزكيهم كما أزكي العشرة الذين ذكرتهم، أما الاكفاء منهم كفاءة عالية فيبلغ عددهم أيضاً حوالي عشرة موظفين. كل هذه الأعداد هي أعداد مقرّبة، والمفارقة الغريبة التي اكتشفتها أن ثمانية منهم مشتركون في النزاهة والكفاءة، فإثنان من الاكفاء فقط كانا يفتقدان للنزاهة. استناداً الى هذه الأعداد وتحويلها الى نسب مئوية استطيع أن أقول، إن نسبة النزيهين حوالي 20٪ والاكفاء حوالي 20٪، ونسبة من يجمع بين الكفاءة والنزاهة حوالي 16٪، ولا أريد أن أكون متفائلاً، ولكن أقول إن أقل نسبة لمن يجمع بين الكفاءة والنزاهة لا يمكن أن تكون أقل من 10٪ ]

استناداً الى الأرقام أعلاه، فإن عدد سكان العراق بحدود 36 مليون نسمة، إن نصف هذا العدد هم في سن العمل، أي حوالي 18 مليون إنسان، فإن كان من يتمتع بدرجة عالية من النزاهة والكفاءة من هؤلاء لا تقل نسبتهم عن 10٪ أي حوالي مليوني شخص، وإن افترضنا أن ربع هذا العدد أي حوالي نصف مليون شخص، يمكن أن يكونوا في المواقع القيادية والمفصلية والمؤثرة في مؤسسات الدولة، فإن العراق يمكن أن يكون في القمّة، سيكون متميزاً في نهضته وتطوره ونموه وتقدمه وازدهاره. وهذا لا يعني أن الـ 90٪ يفتقرون للنزاهة والكفاءة، ولكي نكون منصفين، فإني اتبنى وجهة نظر أحد الباحثين الاجتماعيين (جون ستاموز) حيث يصنّف الناس إلى خمسة أصناف بالنسب التالية؛ 10٪ جيدون جداً، و25٪ جيدون، و50٪ يريدون أن يكونوا جيدين ولكنهم يتأثرون بالظروف الخارجية والجو العام للمجتمع، و10٪ سيئون، و5٪ مجرمون، وأظن أن هذه النسب تنطبق إلى حد بعيد على المجتمع العراقي.

لو قارنا العراق بتركيا، فنجد أن مجمل الناتج القومي التركي يبلغ 10800 دولار للشخص الواحد في السنة لعام 2014 وتركيا تعتمد بالدرجة الأولى على الصناعة والزراعة، أما في العراق، فإن مجمل الناتج القومي يبلغ 6800 دولار للشخص الواحد، والعراق يعتمد بالدرجة الأولى على النفط الذي يمثل 60٪ من مجمل الناتج القومي. يمكننا مقارنة العراق بتركيا حيث كان وضعها الاقتصادي متدهوراً بشكل كبير في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، ولكن حدثت طفرة اقتصادية فيها بعد عام 2002 حينما تولى حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا، وبدأت تظهر آثار تلك الطفرة منذ عام 2008 ووصلت الى القمة عام 2012، ونحن في العراق يمكننا خلال عشر سنوات بخطة اقتصادية مدروسة وحكّام نزيهين ومخلصين لبلدهم تقليد التجربة التركية، فإن تمكنّا من تحقيق ما حققوه، فمعناه تحقيق ناتج قومي إجمالي يفوق الناتج القومي الإجمالي المتحقق اليوم من النفط، وبالتالي نستطيع أن نقول وبكل ثقة، إن العراق يمكن أن يكون افضل مما كان، ولكن ذلك لا يتحقق إلا بوضع خطة اقتصادية مدروسة ومُحكمة واستبدال الفاسدين والجهلة من الطبقة الحاكمة الحالية بالاكفاء والمخلصين الذين يمكن أن يتجاوز عددهم النصف مليون انسان كما ذكرنا آنفاً، ولكن كيف السبيل لتحقيق ذلك؟

أولاً: يجب أن يكون التغيير بالطرق الديمقراطية، اي طريقة الانتخاب. نعم من الافضل أن يكون انتخاباً مباشراً للحاكم التنفيذي الأول في البلد، كأن يكون رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية، حتى لا نمر بمخاض صعب لاختيار رئيس الوزراء كل أربع سنوات، وتدخُّل الكثير من الدول ونشوء الكثير من التحالفات، وقد يأتي رئيس وزراء خلاف ارادة الشعب، ولكن هذا الامر يحتاج الى تغيير الدستور، لذلك حتى يكون طرحنا واقعياً وممكن التنفيذ، فإننا سنتبنى الطرح على الواقع الحالي، اي انتخاب اعضاء البرلمان ومن ثم انتخاب رئيس الوزراء من قبل البرلمان.

ثانياً: المواطن يعيش حالة من الإحباط، فهو فقد الثقة بأغلب السياسيين والطبقة السياسية الحاكمة، وقد كانت نسبة المصوتين في بغداد على سبيل المثال أكثر من 70٪ عام 2005، ثم هبطت الى أقل من 65٪ عام 2010 ثم اقل من 55٪ عام 2014، اما في عام 2018 فالمتوقع أن تكون نسبة المشاركة متدنية بشكل كبير جداً ولعلها تبلغ 40٪ أو حتى أقل (الاستبيانات لمنظمات المجتمع المدني الأخيرة تبيّن أن نسبة التصويت ستتراوح بين 38٪ و 45٪، أي أن نسبة الصامتين فاقدي الثقة بالمرشحين أو بمجمل العملية السياسية ستكون بحدود 60٪ أو اكثر، والسبب إن المواطن يريد الاتجاه نحو التغيير، ولكن من ينتخب؟ ماهي الضمانة أن لا تكون الوجوه الجديدة سواء كانت شابة أو غير شابة أن تكون كالوجوه السابقة؟ وإن لم تكن، فما هي الضمانة عندما يصبح الانسان في المنصب أن لا يغدو همّه الأساس مصلحته الشخصية والحصول على المال والمنافع بأيّ طريق غير شرعي ويغدوا مثل الآخرين؟ لهذا السبب فإني اتوقع إعراضاً عن الانتخابات المقبلة بشكل كبير. ولكن يبقى السؤال: ما هو الحل ضمن هذا الواقع؟

ثالثاً: هناك تساؤل؛ أين تصب مصلحة الطبقة السياسية الفاسدة في مجمل الانتخابات المقبلة؟ إنهم يخشون من المستقبل. سيقل عدد المؤيدين لهم، وسيتجه بعض الناس لانتخاب البدلاء من الوجوه الجديدة، ولكن مع هذا سيبقى لهم عدد لا بأس به من المؤيدين ممن لديهم مصالح معهم. لقد قاموا باستغلال مناصبهم فعيّنوا المئات من المواطنين في الوزارات المختلفة، وزعوا الأراضي، تبرعوا بأموال الدولة وما سرقوه بفسادهم، أو لعلهم تصرفوا بطائفية أو عرقية مقيتة مدمّرة للبلد، ولكنها قد تصب لمصلحتهم الذاتية بسبب جهل الكثير من المواطنين؛ هذه السلوكيات والتصرفات جعلت لهم عدداً محدداً من المؤيدين، ولكنهم أيضاً يخشون من الوجوه الجديدة، لعل بعض تلك الوجوه تكسب تأييداً يفوق عدد مؤيديهم؛ لذلك فإن مصلحتهم تتحقق بإبعاد الناس عن انتخاب الوجوه الجديدة؛ أو بالأحرى إبعادهم عن الانتخاب، وهذا لا يتحقق إلاّ بصد الناس عن الانتخاب، فكلما قلّت نسبة المنتخبين كلما زادت حظوظهم بالنجاح.

المواطن العراقي يعيش حالة من الإحباط ولا أمل له بتغيير الوجوه الكالحة من السياسيين المفسدين، لذلك فإنهم غير مندفعين للانتخاب وسيعرض الكثير منهم عن الانتخاب، ولكن يجب أن لا يخفى علينا، أن هناك صنفاً من السياسيين يخططون بطرق خبيثة لتوجيه الناس للإعراض عن الانتخاب؛ فقد اطلعت مؤخراً على منشور يتداول بشكل واسع في وسائل التواصل الاجتماعي يزعمون فيه، أن قانون سانت ليغو سيوفّر المجال لفوز المرشحين الذين لديهم تسلسل في أول القائمة وهم عادةً من الفاسدين حسب ادعائهم، وإن المواطن حتى لو انتخب وجهاً جديداً في آخر القائمة، فإن الاصوات ستذهب للفاسدين في أول القائمة، وهذا الافتراء الذي لا صحة له ويستغل جهل الناس بقانون سانت ليغو، فيه وضوح أن لا ينتخب الناس الوجوه الجديدة في آخر القائمة. لقد اطلعت على منشور سابق يزعمون فيه أنه لو بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات بحدود 20٪ فإن الأمم المتحدة ستلغي الانتخابات، هذا الأمر لا علاقة له بالأمم المتحدة بالمرة، وإن افترضنا أن عدد المنتخبين بلغ اقل من 1٪ فإن الانتخابات ستكون صحيحة وسيؤخذ بنتائجها لأنه لا يوجد في الدستور فقرة تحدد نسبة عدد المنتخبين. من الواضح أن هناك منهجاً مبرمجاً يتولاه السياسيون الفاسدون أنفسهم لثني الناس عن الانتخابات. وعلى المواطن أن يعي ذلك.

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*