Home » ثقافة » ” ظاهرة عمل الأطفال في العالم الإسلامي وسبل التصدّي لها”
عبد الحسين شعبان

” ظاهرة عمل الأطفال في العالم الإسلامي وسبل التصدّي لها”

الأحد 2018/08/0٥
عبد الحسين شعبان…
حين طلب مني الاستاذ محمد عبده الزغير محمد كتابة مقدمة لبحثه المهم ” ظاهرة عمل الأطفال في العمل الإسلامي وسبل التصدّي لها” سررت لسببين، الأول أنني وجدته بذات الحيوية والاجتهاد منذ أن عرفته قبل ثلاثة عقود ونيّف من الزمان… وكانت علاقتنا قد توثقت سواء في اليمن أو في القاهرة فيما بعد، إضافة إلى مشاركتنا في العديد من الفاعليات والأنشطة التي تنظمها جامعة الدول العربية والعديد من مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان والمؤتمرات الدولية.

والثاني أنه واصل رحلته الثقافية الذي بدأها في وزارة الثقافة اليمنية برحلة حقوقية لدرجة كان هناك تعانقاً بينهما واتصالاً وتواصلاً وتفاعلاً لا يمكن فصم عراه، بين الثقافي والحقوقي، ومثل هذا الوصل كان حميمياً لأنه امتاز بمهنية عالية وجدارة إنسانية، مكّنته من امتلاك أدواته على نحو ناجح بل وبارع، فغدا أحد أبرز المختصين في الميدان الحقوقي، وكانت مساهماته الأبرز في ميدان حقوق الطفل، فكتب الكثير من التقارير الرصينة وأضاء هذا الميدان في المحافل الدولية والإقليمية ونبّه المنظّمات العربية لوضعه في برامجها وتبنّيه لأنه يشكّل أحد أعمدة العمل الحقوقي العربي، الذي لا تستطيع البلدان العربية السير في درب التنمية الوعر دون حماية حقوق الأطفال، وخاصة في مجال التنمية المستدامة الإنسانية بجميع حقولها: سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وقانونياً وتربوياً ونفسياً وبيئياً وصحياً وغير ذلك، وكل هذه الحقول المجتمعية أساسها حقوق الطفل.

ولفت الزغير الانتباه في بحثه المهم إلى موضوع عمالة الأطفال في العالم الإسلامي حيث هناك مشتركات كثيرة مع العالم العربي الذي هو جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي الذي يضم 57 دولة وهناك عدد آخر من الدول التي يشكل فيها المسلمون مجموعة ثقافية وازنة ومتميّزة ، ولم يعرض في بحثه الأهداف والمنهجية والإجراءات المتبعة فحسب، بل قدّم قراءات مهمة لحقوق الطفل في ظل السياسات الاجتماعية السائدة على المستوى العالمي مقارنة مع العالم الإسلامي، مسلطاً الضوء على أهم التشريعات الدولية في هذا المجال، مُخضعاً للفحص حقوق الطفل في العالم الإسلامي من خلال أدبيات منظمة التعاون الإسلامي (منظمة المؤتمر الإسلامي سابقاً) إضافة إلى المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة.

وذهب أبعد من ذلك حين تعقب حقوق الطفل من خلال عقد حقوق الطفل في الإسلام والبرنامج العشري لدول منظمة التعاون الإسلامي وامتد بحثه ليشمل عدداً من المؤتمرات الإسلامية ومشاركة الوزراء المكلّفين بمتابعة حقوق الطفل، ثم تناول مؤشرات أوضاع الطفولة في مجال الحقوق الأساسية للأطفال، من زاوية علاقتها بموضوع عمالة الأطفال تلك التي تحرّمها المعاهدات والاتفاقيات الدولية، والتي تعتبر انتهاكاً صارخاً لحقوق الأطفال في الصحة والتعليم. وفي هذا المجال يبحث بمنهجية ورؤية مقارنة جهود منظمة العمل الدولية والأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP.

ففي الأولى يبحث في التشريعات والبرامج المتعددة وفي الثانية موضوع الحقوق في ميدان حماية الطفولة وفي الثالثة مسألة العمل في الحقل الزراعي وفي الرابعة قضية العمل في ميدان التربية والتعليم والعلم والتكنولوجيا وحقول الثقافة بجميع فروعها باعتبارها جزء من تلبية الحاجات الروحية للطفل. أما في الميدان الخامس فإنه يبحث في التنمية ولاسيّما للحد من ظاهرة الفقر وأثره في عمالة الأطفال وينتقل بعد ذلك ليسلط الضوء على الظاهرة في دول العالم الإسلامي والعالم ككل ومظاهر ذلك وأسبابه والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والفقر بشكل خاص وأوضاع الأسرة المعاشية والأزمات المالية بشكل عام في ما يخص عمالة الأطفال، وذلك حين يدرس ثلاث عوامل مهمة أولها- التعليم وثانيها – البطالة وثالثها – النزاعات المسلحة ويضيف إليها الكوراث الطبيعية، إضافة إلى عوامل أخرى يمكن إدراج بعضها مثل الحروب الأهلية وانهيار سلطات حفظ النظام والأمن والاحتلال وغيرها.

ويخلص البحث إلى الكشف عن بعض الجهود الوطنية للحد من ظاهرة عمالة الأطفال ليضع حلولاً ومعالجات ومقترحات مهمة لظاهرة عمل الأطفال في العالم الإسلامي، ثم يكشف عبر جداول دقيقة ومهمة عن المصادقة على الاتفاقيات الدولية التي تغطي تضاريس عمالة الأطفال، سواء من الناحية القانونية أو المؤشرات الديموغرافية أو نفقات الصحة أو التعليم أو سن العمل للذكور والإناث أو في العمل أو المداخيل أو نسبة الفقر، وذلك لاستكمال وتغطية موضوع بحثه من جميع جوانبه، ويتناول بعد ذلك وثائق دولية وإقليمية، والوثيقة كما نقول في البحث العلمي “خبر” لأنها تغني أحياناً عن مئات الصفحات والتحليلات والمقالات.
ومن خلاصات البحث أن العالم الإسلامي لا يمكنه أن يتقدم ويلحق بالركب الحضاري دون حماية حقوق الأطفال لأنهم أمل المستقبل وصنّاع الغد الذي لن تتقدم المجتمعات دون العناية به، والعالم الإسلامي يؤثر ويتأثر بالعوامل والمتغيّرات الدولية وبالتالي فعليه الأخذ بما يتبلور على الصعيد العالمي ولاسيّما على مستوى الأمم المتحدة من اتفاقيات خاصة بحقوق الطفل، والإيفاء بالتزاماتها استناداً إلى قيمها الروحية ” النابعة من عقيدتها الإسلامية وثقافاتها المتعدّدة” التي تدعو وتحض على احترام كرامة الإنسان وصون حقوقه.

ولأن ملايين الأطفال يعانون من استغلال شديد في العالم الإسلامي، سواء في موضوع العمالة أو في الحروب الخارجية أو النزاعات المسلحة والصراعات الأهلية، أو في الإتجار بالبشر أو في قضايا الإرهاب والعنف أو حتى بعضهم يذهب ضحية المخدرات وأنواع السموم فإن ذلك يعتبر تحدياً حقيقياً يواجه العالم الإسلامي، ويدفع أعداداً واسعة من الأطفال للانخراط في ميدان التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب، إضافة إلى استغلالهم جنسياً لا فرق بين إناث وذكور، وذلك عبر تشغيلهم في تجارة الرقيق فضلاً عن دفعهم للهجرة أحياناً في ظروف قاسية وفي ظلّ أوضاع لا تخلو من الاحتيال والابتزاز وممارسة ضغوط نفسية وصحية وجنسية عليهم.

إن مراجعة تقرير عن منظمة اليونيسف صدر بشأن الطفولة مؤخراً (20 نوفمبر/تشرين الثاني/2017) يكشف حجم المأساة الحقيقية للأطفال في العالم بشكل خاص وأطفال العالم العربي والإسلامي بشكل عام حيث جاء فيه ” أن حوالي 180 مليون طفل في 37 دولة يعيشون في فقر مدقع أو أن أوضاعهم ستزداد سوءًا وقد يضطرّون إلى ترك مقاعد الدراسة أو يتعرّضون لأعمال عنف قد تؤدي إلى قتلهم . وأجرت اليونيسف مقارنة بين أوضاعهم الراهنة قبل عقدين من الزمان، فأشارت إلى أن معاناة أطفال اليوم أكثر من أطفال الأمس.

وإذا كان الأطفال في البلدان المتقدّمة أقرب إلى الطبقة ” الارستقراطية” لتأمين مستلزمات حياتهم وحقوقهم ومستقبلهم، فإنهم في منطقتنا هم الأكثر معاناة من أطفال مناطق العالم الأخرى، وذلك بسبب الحروب والنزاعات المسلحة وتفشّي أعمال العنف وازدياد وتيرة الإرهاب الدولي وارتفاع نسبة التعصّب والتطرّف، ولاسيّما في العقود الأربعة الماضية.

يكفي أن نذكر مأساة الأطفال الفلسطينيين المستمرّة جرّاء الاحتلال والعدوان والتهجير والحرمان المتعدّد الوجوه منذ نحو سبعة عقود من الزمان الذي مارسته الصهيونية على نحو لا إنساني وروتيني وبالضد من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وخصوصاً حقوق الأطفال، ونستعيد معاناة أطفال العراق المستمرة والناجمة عن الحروب والنزاعات الداخلية والخارجية، فالحرب العراقية- الإيرانية وحدها دامت ثماني سنوات والحصار الدولي الذي هو حرب ناعمة أشدّ خطورة وأكثر مكراً استمر أكثر من 12 عاماً، وقد أجابت مادلين أولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة في حينها على سؤال لبرنامج حواري معها (60 دقيقة) هل يستحق موت أكثر من نصف مليون طفل كل ذلك، بنعم.

وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق اندلع العنف على مصراعيه وكان الأطفال أول الضحايا وأكثرهم تأثّراً، لاسيّما باستشراء الطائفية وانتشار الميليشيات وشيوع ظواهر التعصّب والتطرّف والغلو ومعها انتشرت الشعوذات وأعمال السحر، وكل ما له علاقة بالتخلّف الذي يمكن أن يوفر أرضية لانتشار الفكر الإرهابي وخصوصاً بضعف الدولة.

وإذا كانت هزيمة داعش العسكرية قد تحققت فإن بيضه يمكن أن يفقّس عند أي منعطف طالما توجد هناك بيئة حاضنة له. ولعلّ الدعوات لتزويج الطفلات في سن التاسعة وإلغاء ما حصلت عليه المرأة من مكاسب منذ العام 1959 في محاولة لتعديل قانون الأحوال الشخصية، ليس سوى الإمعان في تدمير معنى الطفولة وتشويه مفهوم الزواج .

ولعلّ حال الطفولة في سوريا وليبيا واليمن وجنوب السودان والسودان والصومال والروهانكا وبنغلاديش ونيجيرا وكينيا ليس بأحسن حال من العراق، بل أن بعضها أسوأ بكثير، حيث تتعاظم معاناة الأطفال وترتفع أعداد اللاجئين والنازحين وتستمر الاحترابات وأعمال العنف وينتشر السلاح ، وخصوصاً في ظلّ شحّ فرص التعليم واضطرار العوائل إلى إرسال أطفالها إلى سوق العمل دون السّن القانونية، حين يتم استغلالهم في الكثير من الأحيان ويستخدمون دروعاً بشرية ويزجّون في المعارك ويتدرّبون على السلاح، ويعيشون في حالة خوف وهلع وعدم اطمئنان وأمان، ناهيك عن انعدام السلام والأمن المجتمعي.

وفي بلدان الصراع تزداد الوفيات، حيث تدير العديد من البلدان ظهرها لتطبيق اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 وبروتوكولاتها الثلاثة الملحقة بها، الأول الخاص بحماية الأطفال من الاستغلال الجنسي والمشاركة في الصراع المسلح والثاني يؤكد على عدم مشاركة الأطفال دون سن الثامنة عشر بالنزاعات المسلحة والثالث يشدّد على موضوع الإتجار بالبشر وتنعدم فرصة توفير الحد الأدنى من الحماية الضرورية للأطفال ومراعاة الطفولة، التي تتعرّض إلى المعاملة السيئة والاستغلال بكل أشكاله بما فيه الجنسي والعنف بجميع مظاهره وصوره.

وإذا كان الأطفال هم مستقبل شعوب المعمورة، فإن عدم توفير الحدّ الأدنى لهم ولعوائلهم وللمجتمع في العيش الكريم وانتشالهم من واقع الفقر والمرض والجهل، سيؤدي بهم إلى أن يكونوا قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أية لحظة، خصوصاً وأن فايروس التعصّب يمكن أن يصيبهم بسهولة ويؤدي بهم إلى التطرّف، وهذا الأخير لو انتقل من التنظير إلى التنفيذ سيصبح إرهاباً يتجاوز مفهوم العنف.

وإن لم يستنفر الضمير العالمي لحماية الطفولة والأمومة وتمكين المجتمع من الحصول على الحد الأدنى لحقوقها ، فإن مثل تلك الظواهر يمكن أن تستفحل في ظل أوضاع الإحباط واليأس وانعدام الأمل، وخصوصاً بفقدان الحماية الضرورية، الأمر الذي يتطلّب من المجتمع الدولي العمل على كل ما من شأنه توفير الحماية اللازمة للأطفال، ولاسيّما حقهم في الحياة والعيش بسلام وأمن وكرامة، إضافة إلى حقهم في التعليم والصحة، ومع كل ذلك حقهم أن يعيشوا كأطفال تضمن لهم الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وقواعد القانون الدولي حقوقاً ثابتة وأساسية ولا يمكن التنكّر لها تحت أي حجة أو ذريعة، سواء وقت السلم أو وقت الحرب.

وإذا كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أوصت في العام 1954 جميع البلدان بتخصيص يوم عالمي للطفل لجعل التواصل والإخاء والمحبة جسراً بينهم، من جهة، ومن جهة أخرى للتذكير بأهمية توفير الحماية لهم، فإنه في منطقتنا ينبغي تخصيص أيام العام بكاملها لمعالجة أوضاعهم القاسية، ولاسيّما في بلدان النزاع أو ما بعده.

إن ظاهرة تشغيل الأطفال دون السن القانوني تترك آثاراً سلبية تنعكس على المجتمع بشكل عام وعلى الأطفال بشكل خاص، علماً بأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية تحرّم الاستغلال الاقتصادي للأطفال ويعترف المجتمع الدولي ” بحق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون مضراً أو يمثل إعاقة ليتعلم الطفل أو أن يكون مثاراً بصحة الطفل أو بنموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي” (اتفاقية حقوق الطفل المادة 32-1).

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد عرّفت الطفل في اتفاقية حقوق الطفل العام 1989 بأنه ” كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره” وأكدت على ضرورة حمايته من الاستغلال الاقتصادي، وهو ما ذهبت إليه منظمة العمل الدولية والعديد من الاتفاقيات التي صدرت عنها منذ مطلع عشرينيات القرن الماضي وإلى الآن، كما إن الاتفاقية العربية بشأن الأحداث العام 1996 ذهبت بهذا الاتجاه معتبرة الطفل من أتم الثالثة عشرة ولم يكمل الثامنة عشرة من عمره ذكراً أو أنثى.

لقد تم منذ عدة سنوات إطلاق مبادرة عالمية عن حقوق الطفل وبطلها هو طائر الدودو وهي تهدف إلى نشر اتفاقية حقوق الطفل الدولية في كل مكان من العالم بغض النظر عن الجنس والدين والمستوى الاجتماعي والتوجه السياسي ويشكل موقع سايبر دودو المدافع عن الحياة أداة تواصل عالمية للمهتمين بحماية الحياة والبيئة وجميع مستلزمات حقوق الإنسان.

شخصياً أعتبر بحث الاستاذ محمد عبده الزغير محمد هو وليد طائر الدودو العالمي بشكله الإسلامي ومضمونه الإنساني وقد اجتهد في مبادرته وامتاز بحثه برؤيوية وأفق واسعين واعتقد أن الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، ولاسيّما المعنية بحقوق الطفل والعمالة بشكل خاص يمكنها اعتماد خلاصاته وما توصل إليه بعد دراسة وتمحيص لوضعها في برامجهم وخططهم المستقبلية، بل لا بدّ من إعادة النظر بكل ما يتعلق بالطفولة في ضوء الاتفاقيات الدولية وبما ينسجم مع الخصائص الوطنية والثقافية الإسلامية.

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*