Home » ثقافة » مهدي الحافظ: يا له من زمن؟ لم يبقَ ما يحتجّ به سوى الموت ((1))
عبد الحسين شعبان

مهدي الحافظ: يا له من زمن؟ لم يبقَ ما يحتجّ به سوى الموت ((1))

الثلاثاء ٢٠١٨/١٠/٢٣
بقلم الباحث والمفكر العربي// عبد الحسين شعبان…
توطئة
رحل مهدي الحافظ بهدوء ودون أن تتبعه ضوضاء فارغة وجلبة مزعومة، (4/ تشرين الأول/اكتوبر/2017)، ونحن إذْ نستعيد الذكرى الأولى لوفاته، فإنّما نريد التوقّف عند بعض المحطّات الأساسية في مسيرته. وفي مثل هذه المناسبات غالباً ما تفتتح الكتابات فيها: بالقول رحل “الرفيق المناضل”، وحين خطرت الفكرة ببالي وكتبت الشق الأول منها، لكنني سرعان ما حاولت طردها، فقد خشيت أن يحسبه البعض من صنف “المناضلين” الافتراضيين أو الهوائيين، حيث يبرع باعة الكلام المتجولين والباحثين عن الوجاهات من منتهزي الفرص ليقطعوا الماضي عن الحاضر، والكلمة عن الحلم والطموح المشروع، باللهاث وراء المكاسب.

حين وصلني نبأ رحيله تجمّدت أطرافي ولم أقوَ على الحركة لبضعة ثوان فقد مرّت خاطفة تلك العقود الخمسة التي حاولت استعادتها وكأنها شريط سينمائي.

قالت لي د. منيرة البياتي وهي في ذروة انفعالها وحزنها ما الذي تبقى لنا : رحل الأحبّة سريعاً الواحد بعد الآخر…؟ ماذا نتذكّر يا عبد الحسين؟ فمهدي الحافظ جزء من تاريخنا وصداقتنا له تكاد تكون صداقة العمر كلّه بحلوّه ومرّه وبإيجابياته وسلبياته. كنت صامتاً وفي فمي طعم مرارة غامضة، فكيف يتحوّل شخص مثل مهدي الحافظ إلى مجرد مربع صغير في جريدة لا يكاد يلفت النظر، ولهذا فقد كان لموته نكهة حزن إضافية، ولعلّه موت يحرجنا بقدر ما يحزننا.

كنتُ أفكّر بما خبّأه لنا الزمان، فمهدي الحافظ حتى عشيّة وفاته كان يطفح بالحيوية وحبّ الحياة والتمتّع بأطايبها، غاب هكذا فجأة مثل شهاب وحتى دون مؤشر بالمرض.. دخل المستشفى لبضعة أيام لإجراء فحوصات ولم يخرج منها إلّا إلى القبر.

وظلّت منيرة البياتي تردّد على مسامعي: كان مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق قد شكّلا جزءًا من وعينا في مرحلته الأولى…. واستعادت هذا الكلام مرّة أخرى، وهي تردّ على رسالتي بتعزيتها بوفاة نضال وصفي طاهر، ولم تنسَ في كل مرّة أن تتذكّر شقيقها القاص والروائي والصحافي محمود البياتي ( توفي في 31/10/2014) انظر مقالتنا عنه: (محمود البياتي: سنّارة الحلم والذاكرة التي تأكلنا) وهي تعرف عمق علاقتنا، وكم تأثّرتْ لما كتبته عنه وما قلته في احتفاليته التأبينية التي أقيمت في عمان. وكلّما مرّ يوم جديد، يزداد شعوري بأن محمود كان ” أخي الذي لم تلده أمي” وقالت منيرة وقد أخذتها ” العبرة” عبر التلفون وقد تغيّر صوتها: ليس للحياة من طعم فالموت يحيط بنا من كل جانب، وردّدنا معاً بيت شعر للجواهري عن الموت اللئيم حين يقول :
ذئبٌ ترصّدني وفوق نيوبه / دم أخوتي وأقاربي وصحابي
وردّدت عليها بيت شعر للشريف الرضي الذي ينطبق على حالنا ويقول فيه :
ما أخطأتك النائباتُ إذا أصابت من تحبّ

الماضي الذي لا يمضي
لقد تغيّرت الدنيا والناس ولم يبقَ من الأحلام سوى الأقل. نشعر بالخيبة أحياناً حين نقلّب أمانينا وأحلامنا، فقد كانت أجمل وأكبر، وهكذا لم يبقَ سوى أن نستعين بالذاكرة وهي التي لا تفارقنا، بل تكاد تطوّقنا مثل سياج يحيط بنا من كل جانب، وكأننا في دائرة.

كلّما كنّا نلتقي: نوري ومهدي ومنيرة البياتي وسعد عبد الرزاق ومحمود البياتي وماجد عبد الرضا وموفق فتوحي وتيسير قبعة وبسام أبو شريف وصادق الشافعي وسالم المندلاوي وآخرين مجتمعين أو متفرّقين من شلّة أصدقاء أواخر الستينات وأوائل السبعينات وما بعدها نسارع دائماً لاستحضار الماضي وكأنه اليوم قد حدث أو بالكاد بالأمس، وكنتُ قد استعدت مع السيد هاني فحص ذكرياته عن النجف لا باعتبارها ماضٍ، بل حاضر أكثره مستقبل، لأنه لم يمضِ، وهو ما دوّنه بكتاب بالعنوان ذاته.

ودائماً ما كنتُ استفزّه بالقول “أخرج النجف التي في داخلك”، وكنت بذلك أخاطب نفسي أيضاً، عن تلك المدينة التي ظلّت “توشوشني”، هكذا ظلّ الماضي يعيش فينا ولا يريد أن يمضي، إنه حاضرٌ وحيٌّ في ذواتنا، خصوصاً حين يكون أكثر طهرية وصدقاً وعفوية؛ إنه ماضينا الذي لا يمضي، بل لا نريده أن يمضي.

بقي مهدي الحافظ على الرغم من جميع الخيبات والمرارات والآلام والخسائر التي حلّت به محافظاً على توازنه ورباطة جأشه، فما أن يرى أحد الرفاق والأصدقاء حتى يسارع إلى عناقه واحتضانه، وكان يمارس ذلك بعفوية وتلقائية ومحبّة، مع أن لديه الكثير إزاء بعض “الأعدقاء” على حدّ تعبير الشاعر وليد جمعة الذي نحت الكلمة في قصيدة له بالعنوان ذاته، حين يتحوّل الأصدقاء إلى أعداء وإنْ ظلّوا يرتدون جلباب الصداقة، فقد تحمّل مهدي الحافظ من هؤلاء إساءات كثيرة، بل بلا حدود.

وكان أحد “أعدقائه” كما أخبرني يوزّع شكوكه واتهاماته به يساراً ويميناً بسبب اختلاف الرأي والموقف، وخصوصاً بصدد الحرب العراقية – الإيرانية، لكن مهدي الحافظ وهو يعرف كل ذلك ظلّ يعامله بكل ترحاب وبأريحية، بل ولهفة أحياناً لاعتبارات قديمة، وكان يفعل ذلك دون تكلّف وربما بشيء من الشفقة أو الرحمة، مشفوعة بنوع من التسامح والترفّع، في زمن تشوّهت فيه العلاقات الإنسانية وساد النفاق الاجتماعي وتفشّى التكاذب “والصداقة” المصلحية.

كان مهدي الحافظ بالرغم من فرحه الظاهري وابتسامته التلقائية حيث تلتمع عيناه ، ينزف من الداخل، خصوصاً حين يشعر أن القيم القديمة أخذت تتآكل والأماني علاها الغبار وأصابها الصدأ . وحتى حين يحاول إيجاد تفسير لبعض تلك المواقف لا يفعل ذلك مع الحقد، بل كان يقصد إبقاء الذاكرة في دائرة الضوء وكي لا يلفّها النسيان، ويتجنّب دائماً إصدار الأحكام.

لم يكن مهدي الحافظ استعراضياً ولم يعرف كثيرون، لاسيّما من الساسة الجدد دوره الفعلي وكفاءاته ونضاله، فهو غالباً ما يحجم عن الكلام عن نفسه، وحين جاء عبداللطيف الشوّاف على ذكره في هامش مطوّل في كتابه “شخصيات نافذة” إعداد وتقديم الدكتور حمدي التكمجي، دار الورّاق للنشر، طبعة العام 2013، استغرب كثيرون ممن كانوا يعتقدون أنه مجرد “موظف دولي” أو أحد ” المترفين” أو “الارستقراطيين” الذين يستهويهم الحديث في السياسة، ولديه اطلاع على بعض قضايا العراق وتاريخه وليس ابن مدينة الشامية التي ولد فيها في العام 1937 وارتوى من “نهر الفرات الحزين”.

وعلى ذكر “قضاء الشامية” فقد خصّها الانتداب البريطاني بصفة “لواء” بضمّها إلى مدينة النجف، ولذلك كان يُقال ” لواء عموم الشامية والنجف” ومقرّه مدينة النجف، ويضم عدداً من الأقضية والنواحي وينتهي بالحدود العراقية – السعودية وكان يتبع ذلك اللواء: الكوفة والعباسية والكفل وأبو صخير والمشخاب (الفيصلية أو السوارية) ونواحي غماس والمهناوية والصلاحية وغيرها، وكان الزعيم عبد الكريم قاسم قد عيّن معلماً في مدينة الشامية (مدرسة القحطانية) وقضى فيها عاماً دراسياً واحداً (1931-1932) قبل أن يلتحق بالجيش حسبما تقول بعض الروايات، وينتسب مهدي الحافظ (مهدي أحمد حافظ) إلى عشيرة آل دعيبل النجفية وكانت عائلته قد هاجرت من النجف إلى الشامية في مطلع القرن العشرين وعمل والده مختاراً لعدّة سنوات وأعقبه شقيقه موسى.
النشاط السياسي
كان مهدي الحافظ قد بدأ حياته السياسية عضواً في اتحاد الطلبة وقد اعتقل في العام 1954 إبان انتفاضة الفلاحين في الشامية مع عدنان عباس وصادق العطية وهديب الحاج حمود وحسن الحاج ودّاي العطية وموجد الحاج حمود وآخرين، وكان يومها طالباً في المتوسطة ، وتم نقله إلى غمّاس، وتوّلت هيئة الدفاع عن العدالة برئاسة المحامي توفيق منير الدفاع عنه ( أسقطت الجنسية عن توفيق منير إثر قيام حلف بغداد العام 1955 ونفي إلى تركيا، وعاد بعد ثورة 14 تموز/يوليو 1958 إلى العراق وكان أحد أبرز قيادات حركة السلم، ولكنه اعتقل وأعدم عام 1963 بعد الانقلاب الدموي). وبعدها انتمى مهدي الحافظ إلى الحزب الشيوعي في أواسط الخمسينات، وبعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 انتخب رئيساً لاتحاد الطلبة العام في المؤتمر الثالث (شباط/فبراير/1960).
وفي السبعينات من القرن الماضي كان مهدي الحافظ عضواً مؤثراً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وعمل في سكرتارية الجبهة الوطنية التقدمية مع حزب البعث العربي الاشتراكي 1973-1978 وبعدها تم تعيينه كوزير مفوض العام 1978 في السفارة العراقية في جنيف، ثم استقال العام 1980 حيث كان قد انصرف للعمل في المعهد الأفرو- آسيوي الذي تأسس حينها، ثم التحق بعمل جديد في الأمم المتحدة في فيينا (اليونيدو) ونسّب في أواخر التسعينات مديراً لفرعها الإقليمي في بيروت حتى تقاعده. وقد أسس في مطلع التسعينات الهيأة الاستشارية مع أديب الجادر وتولّى الأخير رئاستها وكان مهدي الحافظ أمينها العام، ونظمت أول اجتماع لها لمناقشة عراقية- عربية في فيينا عن نتائج حرب الخليج الثانية العام 1991، شارك فيها نخبة من المثقفين والاختصاصيين العراقيين والعرب، بينهم كاتب السطور.

يتبع//….

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*