Home » ثقافة » مهدي الحافظ: يا له من زمن؟ لم يبقَ ما يحتجّ به سوى الموت ((2))
عبد الحسين شعبان

مهدي الحافظ: يا له من زمن؟ لم يبقَ ما يحتجّ به سوى الموت ((2))

الخميس ٢٠١٨/١٠/٢٥
بقلم الباحث والمفكر العربي// عبد الحسين شعبان…
انتقالة خارج السياق
ظلّ مهدي الحافظ حتى في ظلّ انتقالته السياسية الجديدة التي قد يكون فاجأ بها كثيرين يحمل همّاً كبيراً ورغبة حقيقية في الخدمة العامة والوظيفة الحكومية، وإذا ابتعدنا على بعض الاعتبارات الشخصية وإغراءات المواقع الرسمية، فيمكنني القول إنه كان “حالماً” بإمكانية إحداث تغيير يضع البلاد على طريق الديمقراطية، وقد سبق لي أن اختلفت معه في إمكانية انجاز شيء يُذكر من تلك “الأحلام” التي هي أقرب إلى “الأوهام” منذ الأيام الأولى للاحتلال.
وأتذكّر حوارنا بعمان في فندق الفورسيزون Four Seasons وكان قد حدثني عن فظاظة بول بريمر مع أعضاء مجلس الحكم الانتقالي والوزارة المنبثقة عنه وتعامله معهم بخشونة واستخفاف كبيرين، فقلت له “استقلْ” وهذه فرصة لك، وتحمّل نتائج استقالتك، ففي ذلك تكون أقرب إلى نفسك وأردفت : لقد فقد جرّبتم وأخفقتم.
ولعلّ هذا الموقف المندفع نحو الوضع الجديد ما بعد الاحتلال كان سبباً في الجفاء بينه وبين أديب الجادر الذي شعر بالخيبة والمرارة، فانسحب من المشهد واعتزل الحياة العامة (انظر مقالتنا: أديب الجادر – الحزين الذي لم تفارقه الابتسامة، صحيفة الزمان العراقية، الثلاثاء 18/2/2014) ، في إطار ما سمّي بتجمّع الديمقراطيين المستقلين الذي تأسس في لندن عشية احتلال العراق، وترأسه عدنان الباججي، لكنه سرعان ما تبخّر أو ذاب كفصّ ملح في الماء سريعاً، وكانت العديد من التنظيمات قد أنشئت على عجالة عشيّة الاحتلال، ولم يكن بعضها بعيداً عن تشجيع بعض الدوائر الغربية والأمريكية.
وكنت قد حاورته بأن السبيل إلى الخدمة العامة ليس المشاركة أو الرفض والموالاة أو المعارضة، ففي بعض الأحيان وبغض النظر عن النظام السياسي، تتقدّم “شرعية الإنجاز” التي تسدّ جزءًا من النقص في شرعية النظام السياسي، طالما يحقّق بعض المكتسبات التي يستفيد منها الشعب، وبما أن هذه الأخيرة غير ممكنة التحقيق في ظل التقاسم الوظيفي ونظام المحاصصة الطائفي – الإثني ، فهذا سيعني إن إمكانية التغيير ستبقى معوّمة بفعل غياب الحدّ الأدنى من شروط تحقّق وحدة الإرادة والعمل، ناهيك عن تشظّي وانشطار مؤسسات الدولة، لاسيّما بتطييفها وأثننتها.
ومع أنني كنت على خلاف شديد مع وجهة نظر مهدي الحافظ بشأن محاولة الاستفادة من الظرف الجديد و”المشاركة” في العملية السياسية، لكنني احترمت اجتهاده واختياره وكلّما كنّا نلتقي نواصل حوارنا وكأننا بدأنا الآن ولا يخلو ذلك من بعض النكت والقفشات، خصوصاً حين كان ينقل لي بعض ما يجري في المطبخ السياسي. وإذا كان لي من قول بشأن اجتهاده فإنه رغم اختلال المشهد والتهافت من حوله و”القابلية على الاستتباع” لدى الغالبية الساحقة، من القوى والشخصيات الطامحة، باستعارة تعبير المفكر الجزائري مالك بن نبي “القابلية على الاستعمار” فإنه حاول تقديم القول الصادق والفعل الملتزم والخلق الرفيع والنزاهة الشخصية والمعنوية، ولذلك بدا مختلفاً، بل وغريباً عمّا هو سائد، لأنه في غير مكانه، خصوصاً وإن التلوث في البيئة السياسية العراقية انعكس على الجميع.
وكنتُ قد استمعت إلى شكوى عدد من المسؤولين والوزراء من الذين انخرطوا في مشروع ما بعد الاحتلال، سواء بزعم عدم الانعزال أم رغبة في التغيير من الداخل أم عدم وجود بديل عن هذا الخيار أم عدم القدرة على مواجهة المشروع الأمريكي. وأتذكّر أنني خاطبت أحدهم : بما كان يردّده الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول ” ليس من حق وزير أن يشكو … فلا أحد أجبره على أن يكون وزيراً”.
وحسب قراءتي المتواضعة فإن الواقع كان مزدحماً بالكثير من الألغام النظرية والعملية، ابتداء من صيغة نيغروبونتي – بول بريمر- زلماي خليل زاد، إلى دستور نوح فيلدمان وبيتر غالبريث، ناهيك عن الشحن الطائفي والإثني الذي يذكّر بعصر المداخن عقب الثورة الصناعية في أوروبا، حيث تتّجه جماهير غاضبة تملؤها الكراهية والحقد الذي تم تأجيجه بالصدور نحو أهداف ملتبسة وموهومة أحياناً تحت شعارات طائفية وإثنية بلا حدود.
مشتركنا الطلابي- اليساري
كنت قد عرفت مهدي الحافظ قبل أن أتعرّف عليه، حين أصبح رئيساً لاتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية في أول انتخابات طلابية عامة بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وذلك في المؤتمر الثالث العام الذي ضمّ قوى سياسية متعدّدة (شباط/فبراير 1960)، لاسيّما من القوميين العرب والكرد والبعثيين والوطنيين الديمقراطيين، وإنْ كانت الغلبة والمواقع الرئيسية للشيوعيين، ولكنه سافر بعدها للدراسة في براغ وانقطعت أخباره.
وحين عاد سرًّا كانت النكبة قد حلّت بالحزب الشيوعي والتنظيم الطلابي المدعوم من جانبه إثر انقلاب شباط (فبراير) العام 1963، وجرت محاولات إعادة التنظيم ولحمة العلاقات، حيث بدأت الخيوط تلتقي وتتواصل وإنْ ببطء شديد وليس من دون إشكالات ومشاكل، خصوصاً بسبب الانتكاسة من جهة، ثم النكوص بعد خط آب (أغسطس) العام 1964 الذي عُرف بلغة تلك الأيام ” اليميني التصفوي” وبعدها “الانقلاب السريع” في الخط السياسي العام 1965 من جهة أخرى.
ولعب مهدي الحافظ بعد عودته دوراً كبيراً في إعادة بناء شبكة الكادر الطلابي الذي حقّق خطوة مهمة بلقاء موسع (الكونفرنس الثاني الذي ضم ممثلين عن 11 كلية ومعهداً في بغداد) في تشرين الثاني/نوفمبر العام 1965 مع استمرار عمله في مجال العلاقات الوطنية مع : عامر عبدالله وحسين جواد الكمر.
وقد توّج العمل في الميدان الطلابي بنصر كبير حين استطاعت الحركة الطلابية فرض إجراء انتخابات مهنية عامة في ربيع العام 1967 إثر صدور قانون انتخابات تحت اسم “اتحاد طلبة الجامعة”، وكانت نتائجها باهرة، بل ومفاجئة إلى حدود كبيرة حتى بالنسبة لنا، حيث فازت قوائم “اتحاد الطلبة العام” بنسبة 76 من المقاعد الانتخابية وحصلت على أكثر من 80% من الأصوات في جامعة بغداد.
أما جامعة البصرة فقد فاز اتحاد الطلبة بالمقاعد الانتخابية بنسبة 100% في حين حصل في جامعة الموصل على أكثر من 60% من المقاعد الانتخابية ونحو 75% من أصوات الناخبين، ولم يكن ذلك بمعزل عن ضغوطات رافقتها واعتداءات صاحبتها بما فيها تكسير بعض الصناديق الانتخابية، علماً بأنه تم إلغاء الانتخابات بعد يوم واحد من إعلان النتائج.
وكتبت بعض الصحف الصادرة آنذاك تبريراً لإلغاء النتائج تقول: “أن القوى الشعوبية الحاقدة عادت ترفع رأسها من جديد”. وكانت “جريدة المنار” قد كتبت افتتاحية شديدة اللهجة علّقت فيها على نتائج الانتخابات الطلابية تحت عنوان “جرس الخطر يدقّ في سماء العراق”، وهكذا يمكن القول إن الانتخابات الطلابية كانت معركة وطنية كبرى بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى.
وحين حصل الانشطار في الحزب الشيوعي في 17 أيلول (سبتمبر) 1967 لم يكن مهدي الحافظ مع هذا التوجّه، ومثلما كان العديد منّا ضد خط آب (أغسطس) العام 1964 الذي وُصِفَ بأنه “يميني وذيلي” بلغة تلك الأيام، لكنه في الوقت نفسه كان ضد التوجه المتياسر الذي اتبعته القيادة المركزية بإدارة عزيز الحاج من جهة أخرى.
ثلاث خصال
ثلاث صفات أستطيع أن أدونها عن مهدي الحافظ بكل أريحية ودون أن أخشى من الممالئة أو الوقوع في المبالغة، وهي تلمستها حين تعرّفت عليه عن قرب طيلة خمسة عقود من الزمان وتوثقت علاقتي به مع مرور الأيام وشهدت علاقتنا تحدّيات كثيرة في ظروف وأوضاع مختلفة، فقد عملت في إدارة المنظمة الحزبية التي كان يتولى الحافظ مسؤوليتها لنحو 3 سنوات ويتناوب عليها آرا خاجادور ، وكثيراً ما اختلفتُ معه، ولكن ذلك لم يفسد في الود قضية كما يُقال.
كما عملت بصحبته وإلى جانبه في إطار قيادة العمل الطلابي في الخارج لنحو ثلاث سنوات أيضاً، وحضّرنا سويّة مع آخرين لاجتماع موسّع لمنظمات الخارج في برلين الغربية العام 1972، حيث كنت رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين في تشيكوسلوفاكيا في الوقت نفسه، ونظّمنا مهرجاناً واسعاً في مدينة براتسلافا (سلوفاكيا) هو الأول في حينها وأصبح تقليداً سنوياً، ثم عملت معه في هيئة حزبية واحدة لمدة زادت على ثلاث سنوات ، ولاسيّما حين شكّلنا حركة المنبر الشيوعي، وكنّا باتصال مستمر ودائم طيلة فترة الثمانينات والتسعينات أيضاً واستمر هذا حتى بعد انتقالي إلى لندن وانتقاله إلى بيروت .
وكان مهدي الحافظ قد أُبعد عن إدارة الحزب منذ أواخر السبعينات واتخذ اجتماع اللجنة المركزية في العام 1980 قراراً بإعفائه ونوري عبد الرزاق من عضويتها، وحاولت مع عزيز محمد الأمين العام السابق للحزب إعادة الصلة شبه المقطوعة وتلطيف الأجواء بينه وبين الحافظ، ونظّمت لهما لقاءً بعد جفوة كبيرة في دمشق في ربيع العام 1981 ولقاءً آخر بعده في خريفه، لكن الأمور كانت تسير بالاتجاه المعاكس بسرعة كبيرة، وخصوصاً بعد تطورات الحرب العراقية- الإيرانية، ولم أكن بعيداً عنها، وهو ما عبّرت عنه علناً بالكتابة أو النشاط أو المشاركة في الحملة العربية والدولية، وكان ذلك سبباً أساسياً في الاختلاف الذي حصل بين شبكة الكادر وعدد من المسؤولين في إدارة الحزب وبين الشق الثاني من الإدارات الحزبية، الذي كان موقفه أقرب إلى قيادة الحركة الكردية، لاسيّما برفع شعار ” إسقاط الدكتاتورية وإنهاء الحرب” في حين كانت المجموعة المعترضة قد ركّزت على إنهاء الحرب كمهمة عاجلة وأساسية والإتيان بنظام ديمقراطي باعتباره تحصيل حاصل.
يتبع//…

مهدي الحافظ

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*