Home » اراء و مقالات » منعطفات الواقع والفكر العربييْن
عبدالحسين شعبان

منعطفات الواقع والفكر العربييْن

الأحد ٢٠١٨/١٢/٠٢

حوار مع عبد الحسين شعبان
المحاو: عبد الحقّ لبيض وجمال بندحمان
أن تحاور قامةً في مكانة د. عبد الحسين شعبان، فأنت مطالَبٌ بسبر أغوار تاريخ تشكّل الفكر العربيّ، والوقوف عند أهمّ منعطفاته وقضاياه. والدكتور عبد الحسين شعبان باحث في القضايا الإستراتيجيّة العربيّة والدوليّة… وُلد في مدينة النجف. تخرّج من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة في جامعة بغداد. استكمل دراستَه العليا في براغ، حيث نال درجتي الماجستير والدكتوراه في القانون. خبير في ميدان حقوق الإنسان والقانون الدوليّ. رئيس المنظمة العربيّة لحقوق الإنسان في بريطانيا سابقًا. عمل أمينًا عامًّا لمنظّمة العدالة الدوليّة، وأمينًا عامًّا لمركز الدراسات العربيّ ــــ الأوروبيّ، وأمينًا لمنتدى حقوق الإنسان. من إصدراته: بانوراما حرب الخليج (1995)، العراق: الدستور والدولة ، من الاحتلال إلى الاحتلال (2004)، فقه التسامح في الفكر العربيّ الإسلاميّ ــــ الثقافة والدولة (2005).
الدكتور شعبان، العراقيُّ المولد، ماركسيُّ الهويّة الفكريّة، لكنْ من خارجِ ما تكلّسَ فيها من قوالب. وهو يساريٌّ متجدّد، حتى حين انهار اليسارُ العربيّ. وهو عروبيٌّ حتى الثمالة، لكنّه ناقدٌ للأطر القوميّة التي عرفتها التجربةُ التاريخيّةُ العربيّة. وهو ابنُ النجف، لكنّه ثائرٌ على الطائفيّة والتقوقع المذهبيّ.
حاصرناه، أثناء زيارةٍ علميّةٍ إلى المغرب، لنستكشفَ معه أهمَّ متغيّرات الواقع والفكر العربييْن، في زمنٍ عزّ فيه وضوحُ الفكر. وتنقّلنا بين محطّاتٍ عديدة، مسلّحين بالمادّة الفكريّة التي أنجزها.
***
لبيض: يظلّ سؤال “المشروع النهضويّ العربيّ” ملحًّا في سياق التحوّلات التي تعرفها المجتمعاتُ العربيّة من تخلّفٍ وتبعيّة. غير أنّ الحاجة إلى هذا المشروع تستدعي إعادةَ قراءة المنجز الفكريّ النهضويّ الذي بدأه العربُ منذ قرنٍ ونيّف، وتستدعي التساؤلَ عن أسباب توقّف المشاريع النهضويّة العربيّة وعدم بلورتها واقعيًّا في سياق بناء الدولة الوطنيّة العربيّة حينها، وعدمِ امتدادها داخل المجتمعات العربيّة.

شعبان: قبل الخوض في قراءة المشاريع النهضويّة العربيّة قراءةً ناقدةً، فلنطرح القضايا التي من شأنها أن تؤسِّس للمشروع النهضويّ العربيّ الراهن.
القضيّة الأولى هي “الوحدة،” خصوصًا أنّ الأمّة تعيش حالةً من التشظّي منذ اتفاقيّات سايكس ــــ بيكو. فلا حديث عن حاضر المشروع النهضويّ العربيّ أو مستقبله من دون لملمة المشتَّت على أسس الديمقراطيّة والتعدّديّة والحقّ في الاختلاف، وذلك في اتجاه كيانيّةٍ كبرى، مادام عالمُنا اليوم هو عالمَ الكيانات الكبرى.
القضيّة الثانية: الاستقلال. فلا يمْكن أمّةً أن تحقِّق نهضتَها إلّا باستقلالٍ تامّ، سياسيّ واقتصاديّ وثقافيّ، يَضمن بناءَ كيانيّةٍ حاضرة، تتفاعل وتتقارب، في إطار لعبة المصالح المشتركة مع الكيانات الكبرى. ولا ننسى أنّ بناءَ استقلال المشروع القوميّ تَحُول دونه مشاريعُ كيانيّةٌ منافسة: أ) المشروع الإيرانيّ، الذي يشكّل استراتيجيّةً واضحةَ المعالم لمشروع مذهبيّ فارسيّ ــــ إيرانيّ يسعى إلى بناء أمّةٍ متمدّدةٍ على حساب مصالح جيرانها، أي الشعوب العربيّة. ب) المشروع التركيّ، الذي يُعدّ اليوم امتدادًا فعليًّا وحضاريًّا لمشروع “العثمنة،” ما يعني أنّه مشروعٌ إيديولوجيّ ومذهبيّ وطائفيّ يعبّر عن طموح أمّةٍ كان لها دور كبير في التاريخ البشريّ، ويسعى اليوم إلى التمدّد على حساب الأمّة العربيّة. ج) إضافةً إلى هذين المشروعين القوميين، اللذين يمكن التعاطي معهما في إطار الحوار الحضاريّ، لا الصراع والمواجهة، هناك مشروع ثالث يُعدّ من أخطر المشاريع التي تواجه مستقبلَ البناء الحضاريّ للأمّة العربيّة، وأعني به المشروعَ الصهيونيّ. وهذا المشروع يستمدّ وجودَه وامتدادَه من وهن المشروع العربيّ، ومن النكوص الحضاريّ للشعوب العربيّة، وبما يتوافر له من دعم خارجيّ وغطاء دوليّ.
القضيّة الثالثة: التنمية. وأقصد بها المفهومَ الجديدَ الذي يأخذ في الاعتبار البعدَ الإنسانيَّ الشامل والمستديم، أو ما يُعرف في أدبيّات الأمم المتحدة بـ”التنمية المستدامة،” وهي غير “النموّ” الذي كان يعني قديمًا تحقيقَ نوعٍ من التراكم الاقتصاديّ. والحقّ أنّ التجارب العربيّة التي اعتمدتْ نهجَ “النموّ” وصلتْ إلى الباب المسدود لأنّ “النموّ” لم يكن تنميةً شاملةً (سياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة وقانونيّة وتربويّة ودينيّة…) تمسّ كلَّ مناحي الحياة لدى المواطن العربيّ.
القضيّة الرابعة: الديمقراطيّة، باعتبارها منظومةً متكاملةً من التشريعات والإجراءات ــ ــ إذْ إنّ جزءًا منها سياسيّ، وآخرَ يتعلّق بالقوانين، وثالثًا يرتبط بالقضاء وحياديّته، ورابعًا يتعلّق بالمجتمع المدنيّ وفضاء الحريّات العامّة.
القضيّة الخامسة: الانبعاث الحضاريّ. وأعني به ضرورةَ إحياء الأمة بحيث تستفيد من تراثها من دون أن يصيرَ عالةً عليها، فتعيدُ “استثمارَ” ما هو صالحٌ منه لبناء الحاضر والمستقبل، بعيدًا عن التخندق وراء قراءةٍ تمجيديّةٍ للتاريخ وللتراث.
القضيّة السادسة: العدالة الاجتماعيّة، التي تتلخّص في توفير العيش الكريم للمواطن العربيّ، وتحقيق الضمانات الاجتماعيّة له.
هذه القضايا الستّ، في اعتقادي، تشكّل مدخلًا أساسًا لبناء المشروع النهضوي العربيّ الجديد. وهي عينها القضايا التي أثارها روّادُ حركة النهضة العربيّة منذ القرن التاسع عشر، لكنّ “النخب” الحاكمة لم تتجاوبْ معها لتبنّيها مشروعًا بديلًا قائمًا على الاستبداد. وقد نوقشتْ مفرداتُ المشروع النهضويّ العربيّ على مدى عقديْن ونيّف من الزمان في إطار المشروع المستقبليّ الاستشرافيّ للأمّة العربيّة، الذي يعود الفضلُ في استكماله إلى مركز دراسات الوحدة العربيّة.

بندحمان: ألا تروْن أنّ جزءًا من أسباب فشل المشاريع النهضويّة السابقة هو ارتباطها بأشخاص محدّدين (الأفغاني، الكواكبي، …)؟ ثمّ ألسنا في حاجة إلى جهات رسميّة تكون بمثابة “حاملٍ للمشروع” حتى يتحقّق له النجاح؟
لبيض: وهل العيب في هذه المشاريع التي ظلّت نخبويّة ضيّقة، أمْ في التشكّلات الاجتماعيّة التي لم ترْقَ إلى مستوى استيعاب اللحظة النهضويّة الإصلاحيّة؟

شعبان: لا نجاح لأيّ حركة تغيير فاعلة وحقيقيّة من دون قيادة أصحاب الفكر والثقافة، وبعد نضوج الشروط الثقافيّة والفكريّة. هل نتصوّرنّ الثورةَ الفرنسيّة من دون فولتير و”فكرة التسامح،” ومن دون روسّو ومفهوم “العقد الاجتماعيّ،” ومن دون مونتسكيو وكتاب روح القوانين؟! لقد نضجت الثورةُ الفرنسيّة عبر تهيئةٍ ثقافيّةٍ امتدّت سنين مديدةً، وهذا لم يحصل في سياقنا العربيّ. صحيح أننا كنّا، منذ القرن التاسع عشر، أمام تناسل اجتهاداتٍ فكريّةٍ ترمي إلى إحداث التغيير المنشود، غير أنّ شروطَ إنضاج المشروع الثقافيّ والفكريّ (من وضوحٍ في الرؤية، وفاعليّةٍ في أدوات الإنجاز،…) لم تكن متوافرةً، وهي ما تزال غيرَ متوافرة. ومن أجل إنضاج فكرة المشروع الحضاريّ النهضويّ العربيّ، فإنّنا نحتاج اليوم إلى إعادة قراءة المقاربات الإصلاحيّة السابقة كي لا نعيد إنتاجَ الأخطاء ذاتها.
على المثقف أن يؤدّي دورًا في حركة التغيير هذه. لكنّه سيكون عاجزًا عن إنجازها ما لم يكن مُدعّمًا بقوًى اجتماعيّة تكون بمثابة “حامل شرعيّ” لتلك الحركة. غير أنّ ذلك يستوجب حصولَ نسبة كبيرة من الوعي لدى الشعوب ــ ــ الوعي بضرورة التغيير وتبنّي أفكاره والمقاومة من أجل تحويلها إلى ممكناتٍ ملموسة.
بندحمان: أشار عبد الحقّ إلى أنّ المشاريع النهضويّة ارتبطتْ بأسماء أصحابها ومريديها، ولم تتجاوزْهم إلى مرحلة التبنّي الرسميّ والجماهيريّ. لكنّ الواقع يدحض ذلك؛ مثلًا: تجربة الحكم الشيوعيّ في العراق، والتجربة القوميّة في مصر وسوريا، والتجربة اليساريّة في المغرب، والتجربة الإخوانيّة في مصر. ومع ذلك، فقد آلت هذه التجاربُ إلى الفشل. فأين الخلل؟ أفي حاملي المشروع، أمْ في البنية الاجتماعيّة التي بلورته وسهرتْ على تطبيقه، أمْ في العامل الخارجيّ؟

شعبان: العامل الخارجيّ كان وسيظلّ ضاغطًا على أيّ مشروع نهضويّ في العالم العربيّ، استنادًا إلى لغة المصالح. لكنْ لا بدّ من مراجعةٍ داخليّة، وعدمِ حصر المشكل فيه. فإذا كانت أفكارُ ذلك المشروع تصْلح لنهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فإنّها لا تتساوق مع معطيات اللحظة، الحبلى بأسئلةٍ مغايرةٍ تستجيب لتحدّياتِ عالمٍ مغاير . لقد حاولنا في تجاربنا السابقة تكرارَ تجارب عالميّة، بدلًا من بنائها بأنفسنا عبر تهيئةٍ ثقافيّة ملائمة لعناصر التكوين المجتمعيّ العربيّ. فالتجربة القوميّة في مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا واليمن فشلتْ بسبب تقليدها لتجاربَ قائمةٍ في سياقات مختلفة، ولم تضع الخصوصيّات الوطنيّة ضمن أولويّات اهتماماتها.
ثمّ إنّ فشل التجربة الاشتراكيّة، من الاتحاد السوفياتيّ إلى الصين، ومن كوبا إلى عدن، دليلٌ ناصع على أنّ هناك خللًا في النظريّة نفسها، لا في التطبيق وحده. لذلك تنبغي إعادةُ النظر في أسس كلّ نظريّة، ثم في تطبيقاتها. والشيء ذاتُه ينطبق على النظريّات والتطبيقات القوميّة والإسلاميّة. إنّ ما يجب أن يَحكم بناءَ المشروع النهضويّ العربيّ هو البعدُ الإنسانيّ المفتوح على التجارب المختلفة والمتنوّعة، والمستجيبة لحاجات المجتمعات العربيّة، من دون وصاية، ومن دون ادّعاء امتلاك الحقيقة الملهمة.
وبالعودة إلى العامل الخارجيّ المعوِّق لتجربة المشروع النهضويّ العربيّ، لا بدّ من ذكر أربع محطّات أساسيّة حالت دون المشروع المعادي للمشروع القوميّ النهضويّ: 1) اتفاقيّة سايكس ــــ بيكو (1916)، وما نتج عنها من تفاعلات، أهمُّها وعد بلفور (1917) الذي وعد بإقامة وطن قوميّ لليهود في فلسطين. 2) تأسيس دولة “إسرائيل” (1948). 3) هزيمة حزيران (1967)، وما نتج عنها من صدمة حضاريّة للعالم العربيّ كشفتْ عوراتِه وهشاشتَه في مقاومة المشروع الصهيونيّ. 4) صدمة “الربيع العربيّ” التي كشفتْ درجةَ توغّل العامل الخارجيّ في شؤوننا الداخليّة؛ فعلى الرغم من أنّ انطلاقة “الربيع” كانت عفويّة وذاتيّة، فإنّ الخارج استغلّها لخدمة أجندته الليبراليّة “الجديدة.”

لبيض: لكنّ المثقف العربيّ لم يقدّم الدعمَ اللازم لهذا الحَراك. أضف إلى ذلك تخاذلَ النخب السياسيّة والمدنيّة…

شعبان: فعلًا، كانت الأحلام كبيرةً بحجم التضحيات التي قدّمتْها الشعوب. كنّا نعوِّل على دعاةٍ ومناضلين وحقوقيين ملأوا أسماعَنا ضجيجًا قبل الربيع العربيّ، لنفاجأ بأنّ الفساد ينبعث من مكاتبهم، وأنّ معظمَ المثقفين راحوا يلهثون وراء المناصب والامتيازات (بل إنّ بعضهم، في العراق مثلًا، يحتمي بالطائفيّة والمذهبيّة ويسترزق من غنائمها)! ومع ذلك نقول إنّ الربيع العربيّ مسارٌ طويلُ الأمد. وإذا كانت المرحلة الأولى قد اعترتها كبوةٌ أو انكسار، فإنّ الموجة ما تزال مستمرّة، وإنْ تباطأ زخمُها. لكنْ، على الرغم من كلّ خيبات الربيع العربيّ، فقد حقّق ثلاثة أمور أساسيّة هي: إسقاطُ فكرة وجود حاكم يملك كلَّ شيء؛ والإعلاءُ من شأن الحرّيّات (بما فيها حرّيّة التعبير)؛ والرفعُ من قيمة الديمقراطيّة.

بندحمان: اعتبرتم الربيعَ العربيّ مسارًا طويلًا، لا لحظةً موقّتة. إذا كان كذلك، فهو يحتاج إلى قيادة، وهذا ما لم يتحقّق حتى الآن . فهل يمكننا الحديثُ راهنًا عن “ثورات من دون قيادات” على غير عادة الثورات القديمة؟

شعبان: هذا يتضمّن وجهًا إيجابيًّا، وآخر سلبيًّا. غيابُ القيادة يحرِّر الحَراكَ من البعد الإيديولوجيّ، لكنّه يُدخله في عالم الفوضى، أو قد ترْكب موجتَه أطرافٌ تسيء إليه (مثلما حصل في تجربة مصر مع الإخوان).

بندحمان: أكيد. لكنّ سؤالي هو: كيف تقوّمون دورَ القوميين في المرحلة الراهنة؟ هل ما زال ممكنًا أن يؤدّوا دورًا في حركات التغيير العربيّ، خصوصًا بعد ما طرأ على لعبة الصراع مع “إسرائيل”؟
لبيض: قبل الإجابة على سؤال الأخ جمال، لا بدّ من أن أرجع بكم إلى مرحلة أساسيّة لم نتطرّق إليها في حديثنا، وأعني زلزال 11 أيلول 2001. فهذا الحدث خلق ارتباكًا داخليًّا، خصوصًا بعد إلصاق تهمة “الإرهاب” بالعرب والمسلمين، ما ولّد انبثاقَ مجموعةٍ من المشاريع “الإصلاحيّة” التي تبنّت المؤسّسةُ الرسميّة العربيّة مجموعةً منها (وثيقة الإصلاح السعوديّة، إعلان الجزائر، الوثيقة الإصلاحيّة اليمنيّة، إعلان الدوحة،…). أضف إلى ذلك مجموعةً من المبادرات “الإصلاحيّة” الغربية (مشروع كونداليسا رايس وبوش وباول، والمبادرة الإصلاحيّة الألمانيّة، ومثيلتها الفرنسيّة،…). فهل كان لهذه المشاريع والمبادرات دور في تهيئة الأجواء لانبعاث الحراك المجتمعيّ سنة 2011؟

شعبان: هناك ثلاثة عوامل تحكّمتْ في مسار الربيع العربيّ. الأول: وصولُ منطق الصراع بين الأنظمة وحركات التغيير إلى لحظةٍ مفصليّة. فقد كانت هناك رؤيتان متناقضتان: رؤية حركات التغيير (شبه الموحَّدة)، ورؤية الأنظمة الحاكمة التي سعت إلى احتواء الغضب الشعبيّ. في هذه اللحظة دخلتْ على الخطّ مشاريعُ عربيّةٌ وخارجيّة بغرض الحفاظ على استقرار الأنظمة واستيعاب حركات التغيير عبر تقديم “إصلاحات” شكليّة تُرضي (إلى حدٍّ ما) حركاتِ التغيير… لكنْ ضمن الوضع القائم الضامن “للاستقرار.”
العامل الثاني: وقوفُ بعض القيادات التقليديّة كابحًا أمام الحَراك. ويعود ذلك إلى عجزها عن رؤية المتغيِّرات في الواقعيْن الدوليّ والعربيّ، وإلى خوفِها من انفلات الأمور منها (حركة الإخوان المسلمين، حتى 25 يناير 2011، لم تكن قد انخرطتْ كليًّا في الحراك المصريّ، وبعض اليساريين شكّكوا في نوايا حركة التغيير).
العامل الثالث: كونُ القيادات التي شكّلها الحراك شابّةً، وبعيدةً عن أيّ لونٍ إيديولوجيّ محدّد. وهو ما أعطى ذلك الحراكَ زخمًا. وهنا أعود إلى ما طرحه الأخ بندحمان. أعتقد أنّ الأحزاب ذاتَ النزعة الشموليّة تعاني اليوم تخشّبًا أصاب مفاصلَها الأساسيّة، على مستوى اللغة والخطابِ العامّ والممارسة. وتتساوى في ذلك الأحزابُ اليساريّةُ والقوميّةُ كافّةً، التي ينبغي أن تعيد النظرَ في واقع وجودها، وأن تجدِّد منظوراتِها وأدواتِ عملها. حتى القضيّة الفلسطينيّة تحتاج إلى مقاربة جديدة بعيدةٍ عن الشعارات الجوفاء التي حملها القوميون في سبعينيّات القرن الماضي.

بندحمان: دول عربيّة عديدة تتحدّث، في الآونة الأخيرة، عن “عدالة انتقاليّة” قبل تحقيق الانتقال الديمقراطيّ. هذا ما حدث في المغرب من خلال تأسيس “لجنة الإنصاف والمصالحة،” وفي تونس، وفي اليمن قبل الصراع الدامي الراهن. كيف تقوِّمون هذه التجربة؟ أهي مجرّدُ ترويج لمفاهيم برّاقة بلا مضامين فعليّة تؤسِّس لانتقال ديمقراطيّ حقيقيّ؟ ولماذا نجحتْ هذه التجربة في بعض الدول الأوروبيّة والأفريقيّة والأمريكيّة اللاتينيّة، وفشلتْ عندنا؟

شعبان: الأنظمة الملكيّة كانت أرحمَ من الأنظمة “الثوريّة” أو “التقدميّة.” فانتهاكات الأنظمة الملكيّة وتجاوزاتُها كانت “مقنَّنةً” لا منفلتة. وأوّلُ دولة عربيّة أقرّت تجربةَ الانتقال الديمقراطيّ، بشكل سلسٍ وناجح، هي المملكة المغربيّة. وهذا يعود إلى عوامل عديدة، أهمُّها تحقّقُ نوعٍ من النضج السياسيّ لدى النظام والمعارضة معًا؛ فحين أدرك الفريقان أنّ التجربة الكونيّة متّجهة نحو التحوّل الديمقراطيّ بادرا إلى تأسيس مرحلة جديدة يمكن اليوم التأكيدُ أنّها جنّبت البلادَ مخاطرَ الاحتراب المفتوح.
تاريخيًّا، مرّت تجربةُ “العدالة الانتقالية” بأربع مراحل.
ــــ المرحلة الأولى في أوروبا الغربيّة، وشملت اليونان بعد الانقلاب على حكم العقداء (1974)، والبرتغال بعد انقلاب العام 1974 الذي قضى على الدكتاتور سالازار، وإسبانيا بعد وفاة الجنرال فرانكو (1978).
ــــ المرحلة الثانية شملتْ جنوبَ إفريقيا. فحين فاز المؤتمرُ الوطنيّ الأفريقيّ في العام 1994، قرّر المساءلة من دون ثأرٍ أو كيديّة، وكشْفَ الحقيقة، وجبْرَ الضرر، والتعويضَ. كما شملتْ جزءًا من أميركا اللاتينيّة (الأرجنتين وتشيلي ونيكاراغوا…).
ــــ المرحلة الثالثة شهدتْ أهمَّ التجارب في العدالة الانتقاليّة، ألا وهي تجربة أوروبا الشرقيّة. وهناك أربعُ تجارب تستحقّ أن نتوقّف عندها في هذه المرحلة. أ) التجربتان الأوليان كانتا في بولونيا وهنغاريا، وقد اتّسمتا بالسلميّة والسلاسة، وحققّتا ما أسمّيه “فقهَ التواصل،” إذ انتقل جزءٌ من السلطة إلى المعارضة، وأجريت انتخاباتٌ نزيهةٌ وشفّافة. ب) التجربة الثانية هي تجربة تشيكوسلوفاكيا، التي انجرّت في لحظاتٍ خلف ما أسمّيه “فقهَ القطيعة،” إلّا أنها استعادت الوعيَ بضرورة الاقتفاء بفقه التواصل، فحقّقتْ بذلك انتقالًا سلميًّا. ج) التجربة الثالثة كانت في رومانيا، التي شهدتْ فقهَ القطيعة في أشد صوره قتامةً. وهو ما حدث أيضًا إلى حدٍّ ما في ألمانيا الديقراطيّة. كما شهدتْ تجربةُ يوغسلافيا صراعاتٍ دمويّةً، سواء تعلّق الأمر بمجازر البوسنة والهرسك أو بكوسوفو ومناطقَ أخرى.
ــــ أمّا المرحلة الرابعة فهي تجربة المنطقة العربيّة. وباستثناء تجربة المغرب “الناجزة،” فإنّ تجربتيْ تونس ومصر ما تزالان تحتاجان إلى مراجعات جدّيّة.
أمّا لماذا نجح الانتقالُ الديمقراطيّ في بلدانٍ وفشل في أخرى، فهناك أربعةُ عوامل أساسيّة: أ) الفضاء الديمقراطيّ الإقليميّ المؤثّر في بعض البلدان الاشتراكيّة المذكورة. ب) المستوى الثقافيّ والتعليميّ العالي الذي تتمتّع به شعوبُ هذه الدول. ج) ضعفُ العامل الدينيّ في التدافع السياسيّ؛ ففي معظم هذه الدول لم يتحوّل الدينُ إلى إيديولوجيا دوغمائيّة، أو إلى حالة مذهبيّة وطائفيّة تسعى إلى إلغاء الآخر. د) إدراك السلطات في غالبيّة هذه البلدان أنّ التغيير أضحى حتميّةً تاريخيّةً، وأنّ عليها التنازلَ خضوعًا لاشتراطات التاريخ وحركيّته الدائبة. والبلَدان اللذان لم يحصلْ فيهما هذا النوعُ من “فقه التواصل” كما ذكرنا هما رومانيا (حيث تشبّث تشاوشيسكو بالكرسيّ، فكان على البلاد أن تدفعَ الثمنَ دماءً من أجل تحريرها من الطاغية) ويوغوسلافيا (التي تفكّكتْ بسبب النزاعات الدينيّة التي ورثتْها أصلًا من مرحلة الإدماج القهريّ عند تأسيس الاتحاد الفيدراليّ اليوغوسلافيّ).
إنّ العوامل التي أسّستْ لفقه التواصل لم تتحقّق بالشكل المطلوب في عالمنا العربيّ. أنظرْ إلى تجربة العراق التي عمّقت الشعورَ بالطائفيّة والمذهبيّة والمحاصصة، ما أدخل البلادَ في نفقٍ مظلم وغامض المسالك والمخارج. وقسْ على ذلك معظمَ تجارب الانتقال الديمقراطيّ العربيّ الأخرى، التي ظلّت شعاراتٍ جوفاءَ تخدم أجندةَ السلطات الحاكمة وتكرِّس نوعًا جديدًا من الهيمنة المقنّعة لفكر الاستبداد والتحكّم. فتونس قد تحتاج إلى فترة زمنيّة أخرى لقياس إمكانيّة التحوّل الديمقراطيّ الحقيقيّ، ومصر بحاجة إلى فترة انتقالٍ قد تكون طويلةً للتخلّص من ماضي الاستبداد.
لبيض: ذكرتم أنّ من أسباب نجاح تجارب الانتقال الديمقراطيّ في بعض الدول الأوروبيّة والأميركيّة اللاتينيّة ضعفَ توظيف الدين أداةً للصراع والتدافع في تدبير الشأن العامّ. والمتأمِّل في الساحة السياسيّة العربيّة يلحظ درجةَ حضور العامل الدينيّ في كلّ مناحي الحياة العامّة. فهل نحتاج اليوم، قبل أيّ إصلاح سياسيّ أو عدالة انتقاليّة، إلى عمليّة تصفية الحساب مع العامل الدينيّ من خلال نهج إصلاح دينيّ حقيقيّ؟

شعبان: ليس المطلوب إضعاف الدين. المطلوب إضعافُ استغلال الدين، وأضعافُ توظيفه من جانب الجماعات الدينيّة وبعضِ رجال الدين من أجل إحداثِ تفرقةٍ اجتماعيّة. ويتطلّب هذا الواقع إصلاحَ المجال الدينيّ بجميع مفرداته وحقوله، وإخضاعَ جميع المرجعيّات ــــ أكانت دينيّةً أمْ حزبيّةً أمْ عشائريّةً أمْ مناطقيّةً ــــ لمرجعيّة الدولة.
إنّ إصلاح المجال الدينيّ هو جوهرُ كلّ إصلاح؛ فبحسب تعبير هوبز، فإنّ كلّ إصلاح مفتاحُه الفكرُ الدينيّ. والإصلاح الدينيّ يحتاج إلى فتح الحوار على جميع الصعد، وجعلِ التديّن حقًّا شخصيًّا من دون إكراه. ومن شأن الإصلاح الدينيّ أن يؤدّي إلى تقليص التأثير السلبيّ لبعض رجال الدين والجماعات الدينيّة، ولاسيّما من يدعو إلى العنف.

لبيض: هل قدرُ أيّ إصلاح دينيّ أن يصطدمَ بمفهوم “العَلمانيّة” ذي الحمولة الثقافيّة الغربيّة المتعارضة مع سيروة تشكّل الوعي لدى الفرد العربيّ؟

شعبان: بغضّ النظر عن التقاء أو تعارض فكرة إصلاح المجال الدينيّ مع التوجه العلمانيّ وحمولته الثقافيّة، فإنّ أساسَ ذلك الإصلاح هو تمكينُ الدولة من بسط سلطاتها على الجميع، انطلاقًا من حكم القانون، بما في ذلك حقُّها في احتكار العنف. ولعلّ تراكمَ ذلك، بالممارسة العمليّة، يؤدّي إلى وعي جديد لدى الفرد العربيّ. وقد حدث أن اتّجهت بعضُ الدول العربيّة بعد مرحلة الاستقلالات إلى قيام أنظمة مدنيّة بتوجّهات ليبراليّة، سواء في تشريع القوانين، أو في نظام التعليم والتربية، أو في جعل مرجعيّة الدولة تعلو على الجميع. لكنّ ذلك حمل منذ البداية بعضَ الخلل البنيويّ حين جرى تقديمُ تنازلات إلى بعض رجال الدين، أو أُقحم الدينُ في مرجعيّات الدولة، فعمدت بعضُ الجماعات الدينيّة إلى توسيع رقعة نفوذها السياسيّ باسم “المقدّس.” وهذا أدّى إلى شحّ الحريّات، وإلى تطوّر أساليب القمع، وأدّى في النهاية إلى المأزق الذي تعانيه دولُنا إلى الآن. وهذا مأزق بنيويّ وعضويّ، إنْ لم تتمكّن دولُنا من إزالة “ازدواجيّة المرجعيّة” فيه فستكون معرّضة إلى الزوال، أو التفتّت في طوائف ومناطقيّات.

بندحمان: أيّ دور تبقّى لليسار العربيّ في مشاريع إصلاح حال الأمّة؟
شعبان: مثلُ هذا السؤال ينطلق من شقّيْن أساسين. الأوّل يتعلق بدور اليسار الذي انحسر على نحو ملحوظ منذ انهيار الكتلة الاشتراكيّة، بل قبلها أيضًا. والثاني غيابُه المؤثِّر عن أحداث “الربيع العربيّ،” بل وقوف بعضه ضدّ عمليّات التغيير تحت مبرِّرات مختلفة.
يعود نكوصُ اليسار الماركسيّ العربيّ إلى اتكاليّته الفكريّة. فقد كان يعوِّل، في الغالب، على مرجعيّة موسكو ويأتمر بأوامرها؛ ولئن تمرد بعضُ هذا اليسار عليها فسرعان ما يجد في بكين أو تيرانا ملاذَه. أما اليسار القوميّ العربيّ فهو لم يستطع تطويرَ أدواته، وظلّت شعاراتُه عموميّةً ورومانسيّة؛ يضاف إلى ذلك فشلُ تجربته في جميع البلدان التي حكم فيها، إذ قدّم نماذجَ أقربَ إلى الأنظمة الشموليّة في أوروبا الشرقيّة.
على اليسار العربيّ، بشقّيه الماركسيّ والقوميّ العربيّ، إعادةُ النظر في الكثير من أفكاره ولغته وخطابه، وتقديم نقد ذاتيّ صريح وواضح لممارساته وتعويليّته. فأمامه الكثير من الفرص، لاسيّما بعد فشل المشروع الإسلاميّ، ووصولِ الدول العربيّة إلى مفترق طرق. لكنْ على الشيوعيين، قبل غيرهم، إعادةُ النظر في النظريّة وفي بعض أركانها التي تآكلتْ. بل عليهم أيضًا إعادةُ النظر في بعض مواقفهم من العروبة والوحدة العربيّة وتقسيم فلسطين، والتخلّصُ من بعض الأوهام حيال ما يتعلّق بالقوميّات والسلالات والحريّات والحقوق الديمقراطيّة. وعليهم، بشكل خاصّ، ردُّ الاعتبار إلى فكرة المواطَنة، التي تقوم على مبادئ المساواة والعدالة والشراكة، في فضاء الحريّة التي لا تمْكن مقايضتُها بأيّ قيمةٍ أخرى.

لبيض: حدّثْنا قليلًا عن فكرة “أعمدة الأمّة الأربعة” التي تحملون مشعلَ التبشير بها. هل يمكن الاعتمادُ على هذه الأعمدة لبناء مشروع حضاريّ للأمّة العربيّة بعيدًا عن التنافس الإقليميّ أو فكر الهيمنة الذي يمكن أن تحمله أطرافٌ من هذه المبادرة؟

شعبان: كنتُ ولا أزال مؤمنًا بأنّ الحوار مسألةٌ لا غنى عنها لتطوير مجتمعاتنا وأممنا. وقد بدأتُ ذلك في ما يتعلّق بالمسألة الكرديّة، وكان لي شرفُ تنظيم أول حوار عربيّ ــــ كرديّ، وقد احتضنتْه المنظّمةُ العربيّةُ لحقوق الإنسان في لندن، التي كنتُ رئيسَها سنة 1992، وذلك بدعوة 25 مثقفًا عربيًّا و25 مثقفًا كرديًّا ليناقشوا القضايا التي ما تزال مطروحةً حتى الآن (الدولة، الحكم الذاتيّ، الفيدراليّة، حقّ تقرير المصير،…). وعلى مدى زاد عن خمسة عقود بقيتُ مدافعًا عن حقوق الأكراد، وكتبتُ عشرات الأبحاث في هذا الاتجاه، من دون أن يعني ذلك انحيازي إلى مواقف القيادات الكرديّة، التي تعرّضتْ إلى نقدي، شأن القيادات القوميّة العربيّة والإسلاميّة واليساريّة، سواء بسبب ما يتعلّق بحقوق الشعب الكرديّ، أو بقضايا أوسع تمسّ العلاقاتِ بالقوى الإمبرياليّة والصهيونيّة.
أما مشروع “أعمدة الأمّة الأربعة” فقد دعوتُ إليه منذ ما يزيد عن العقد، وتحقّقتْ فرصةٌ أولى لجمع نواةٍ للقاءٍ مهمّ في تونس، وذلك بدعوةٍ كريمة من “المعهد العربيّ للديمقراطيّة،” وُجّهتْ إلى عدد محدود من العرب والإيرانيين والترك والكرد سنة 2016. وفي تمّوز 2018 اتّخذ الأمير الحسن بن طلال مبادرةً بدعوةٍ أوسع إلى حوار أعمدة الأمّة الأربعة في عمّان، وذلك في إطار منتدى الفكر العربيّ، بعد نجاح تجربة جديدة في الحوار العربيّ ــــ الكرديّ (شباط 2018) في إطار المنتدى أيضًا.
وإذا كان لي شرفُ بلورة هذا التوجه، فإنّ مواصلتَه تحتاج إلى قناعات نخبةٍ مؤمنةٍ بالحوار باعتباره ضرورةً ملحّةً في ظلّ احتدام الصراعات الإثنيّة والطائفيّة التي تعيشها مجتمعاتُنا ودولُنا. وأعتقد أنّ بناء المشروع النهضويّ العربيّ الذي يستوعب المجموعات الثقافيّة المختلفة داخله، ويمنحها حقوقَها السياسيّة والثقافيّة والإداريّة كاملةً في إطار منظومة حقوق الإنسان والشرعيّة الدوليّة، كفيلٌ بإحداث نوعٍ من التوازن على مستوى الإقليم.
وإذا كان هناك مشروع تركيّ وآخر إيرانيّ في إطار ” الدولة ــــ الأمّة،” فإنّ غيابَ مشروع عربيّ، أو غيابَ الحدّ الأدنى من التنسيق العربيّ، أدّى إلى اختلالات، وفسح المجالَ أمام تمدّد إقليميّ على حساب الأمّة العربيّة. وكان أحد أوجه الضعف هنا هو الصراعات العربيّة ــــ العربيّة، خصوصًا بعد غزو القوّات العراقيّة للكويت سنة 1990 وبداية انهيار الحدّ الأدنى من التضامن العربيّ، وما استتبع ذلك من معاناة العراق الحصارَ والاحتلالَ. وتؤكّد التجاربُ التاريخيّة أنّ العراق كلّما كان ضعيفًا، ازدادت شهيّةُ الصراع التركيّ ــــ الإيرانيّ عليه. واليوم، فإنّ نفوذ إيران فيه واسعٌ وكبير، مثلما أنّ هناك تدخّلًا تركيًّا واحتلالًا لأراضٍ في شماله.
إنّ الحوار بين نخبةٍ من المثقفين من “أعمدة الأمة الأربعة،” عربًا وتركًا وفرسًا وكردًا، يهدف إلى التعرّف إلى الثقافات المختلفة التي تمثّل جزءًا من حضارة إنسانيّة مشتركة. وقد يشجّع على القيام بدراساتٍ إثنوغرافيّة وسوسيوثقافيّة عن طبيعة المجتمعات المعنيّة ومشتركاتها ومختلفاتها، من أجل توظيف العناصر الإيجابيّة الخاصّة بالشعوب وعاداتها وتقاليدها ومصادر قوتها.

بندحمان: قد نعيب على مبادرتكم أنّها مركزيّة إقصائيّة؛ فهي لم تنتبهْ إلى تشكّلات ثقافيّة وإثنيّة أخرى مثل الأمازيغيّة في المغرب العربيّ. ألا تشكّل هذه ركنًا أساسيًّا من أركان الأمّة؟

شعبان: المبادرة ركّزتْ على الأمم. أما الحديث عن التعايش بين الأديان أو الثقافات أو السلالات أو اللغات، فهناك في المنطقة تركمان وأرمن وآشوريون وسريان وأمازيغ،… وهذه المجموعات ينبغي الاعترافُ بها على قدم المساواة مع الآخرين على أساس المواطَنة الحرّة. كما ينبغي الاعترافُ على قدم المساواة بجميع الأديان، لأنّ الأمر يتعلق بحقٍّ أساسٍ من حقوق الإنسان، ألا وهو حقُّ الاعتقاد وحقُّ التعبير، وينبغي أن يكرَّس ذلك دستوريًّا.

لبيض: كيف يمكن أن يتمتّع هذا النوعُ من الائتلاف الحضاريّ بالقوّة في مواجهة المشروع الصهيونيّ؟

شعبان: المشروع الصهيونيّ قام على ثلاثة أركان: احتلال الأرض، واحتلال العمل، واحتلال السوق. وإذا كان وعد بلفور (1917)، الذي جاء عقب اتفاقيّة سايكس ــــ بيكو، هو الحلقة الأولى في المشروع الصهيونيّ، فإنّ قرار التقسيم (1947) ومن ثم إعلان قيام دولة إسرائيل (15 أيّار 1948) كان الحلقة الثانية. ويمكن اعتبارُ عدوان 1967 هو الحلقة الثالثة، خصوصًا بعد ضمّ كامل أراضي فلسطين، بما فيها القدس. أما الحلقة الرابعة فهي هجرة اليهود السوفييت إلى الكيان الصهيونيّ عشيّة انهيار الاتحاد السوفييتيّ، وعودة العلاقات بين هذا الكيان والدول الاشتراكيّة السابقة.
كلّ ذلك هيّأ الفرصةَ لاتفاقيّة أوسلو في العام 1993. ولكنّ الكيان رفض تطبيقَ هذه الاتفاقيّة رغم إجحافها، وظلّت القضايا الأساسيّة معلّقةً مثل القدس والمياه والحدود واللاجئين. وتمادت “إسرائيل” في غيّها بإعلان صيغة الدولة اليهوديّة النقيّة (عبر قانون القوميّة في 19 تمّوز 2018)، وهدفُها النهائيّ طردُ الفلسطينيين العرب (حوالي 20% من مجموع فلسطين المحتلّة عام 48).
إنّ الحوار بين مثقّفين متنوّعين من الأمم الأربع يمكن أن يعزِّز مواقفَ شعوبها لنقض الأطروحة الإسرائيليّة، ولمقاومتها. فهذه الشعوب جميعها مهدّدة، ولن يتوقّف التفتيتُ على العرب وحدهم، بل سيشمل جميعَ شعوب المنطقة من عرب وفرس وترك وكرد. علينا جميعًا أن نعي حقيقة التحدّيات التي تواجهنا، خصوصًا إرهاب “إسرائيل،” إضافةً إلى إرهاب الجماعات المسلّحة والخارجة على القانون، تحت مبرّرات دينيّة أو غير ذلك.
الدار البيضاء

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*