Home » اراء و مقالات » مائة عام على الحرب.. «غافر» ليس السَّبب
صورة من الارشيف
صورة من الارشيف

مائة عام على الحرب.. «غافر» ليس السَّبب

السبت ٢٠١٨/١٢/٠٨
رشيد خيون…
مرت ذكرى مؤلمة في تاريخ البشرية جمعاء، ألا وهي الحرب الكونية الأولى التي وضعت أوزارها مثل هذه الأيام، قبل قرن مِن الزَّمان. اعتقد المتفائلون حينها أنها آخر الكوارث، ولكن ما هي إلا أقل من ثلاثين عاماً وتنفجر الثَّانية، واتصلت ملايين القتلى لتصل إلى نحو أربعين مليوناً في الحربين.

ما زال سبب اندلاع تلك الحرب، في ذاكرة التَّاريخ، أنه مرتبط بتهور الشاب الصربي غافريلو برنسيب (1894-1918)، قاتل ولي عهد إمبراطورية النَّمسا والمجر (1914) وزوجته، وكان القاتل لم يتجاوز العشرين عاماً، والبعض عده من أحد الأسباب، لكن إذا تنظر إلى صراعات الإمبراطوريات والدُّول لا تجده هكذا، إنما كان الذّريعة. فالأسباب تتراكم ثم تنفجر. على أي حال، تعلمنا في المدارس أن «غافر» هو السبب الظاهر الذي راح نتيجة فعلته خمسة عشر مليون قتيل، من غير الملايين التي أكلتها الأمراض وأخفاها التشرد.

كان من نتائج الحرب أن انتهت الإمبراطورية الروسية، ليحل محلها الاتحاد السوفييتي، وانتهت الإمبراطورية النَّسماوية المجرية، التي، مثلما تقدم، كان قتل ولي عهدها وهو يتجول بطرقات سراييفو ذريعةً، فذهبت الإمبراطورية كاملةً، والأهم بالنسبة لمنطقتنا، والعراق بضمنها، انتهاء الإمبراطورية العثمانية، فتشكلت على أنقاض هذه الإمبراطوريات دول، منها على أسس قومية وأُخرى على جغرافية.

دافع العراقيون عن الدولة العثمانية، مِن الشيعة والسُّنَّة، العرب والكُرد، وكانت الصِّلة الدِّينية وراء ذلك، فالمملكة المتحدة احتلت البصرة، ثم تمددت إلى شمالها، ولم يطبقوا على بغداد إلا بعد ثلاثة أعوام، وفي نهاية الحرب تمكنوا من احتلال الموصل وكركوك وأربيل، حتى خرج الجيش العثماني مهزوماً مِن العراق كافة.

فخريطة العراق الجغرافية، في العهد العثماني وما قبلها، هي نفسها اليوم إلى حدٍ كبير، والذي يقول إن بريطانيا أعطت الموصل إلى العراق يرتكب خطأً كبيراً، فإذا كان الأمر هكذا فتركيا، بعد الحرب المذكورة، عليها المطالبة حتى بالمجر وأسوار فينا، لأنها كانت تحكمها، فلماذا الموصل وحدها سلختها بريطانيا عن تركيا؟! الصحيح أن تركيا أرادت الموصل مثلما استحوذت على لواء الإسكندرونة الشَّامي، وليس معنى هذا أنها تركية وليست عراقية، فالعثمانيون أنفسهم قسموا العراق إدارياً (1869) إلى عشرة سناجق أو ألوية، وكان بينها الموصل والسليمانية والبصرة وشهرزور (كركوك) وكربلاء وغيرها، وقد حصل استفتاء شارك فيه الكُرد، وبأصواتهم وبقية العراقيين، تجنب العراق ما حصل للإسكندرونة، فظلت الموصل عراقية.

نعم، الحرب مأساة في اندلاعها، وسعادة عندما تضع أوزارها، لكنها السَّعادة المشبوبة بالآلام، ففي تلك اللحظة يفتقد القتلى، ويبدأ البحث عن المفقودين، وما زجته من ملايين المعوقين في المجتمع، وبسبب الحروب بين الإمبراطوريات، حيث المقاتل لا يعود لا حيَّاً ولا ميتاً، لبُعد المسافات، صار «السفربرلك» (النفير العثماني) شبحاً يطارد العراقيين وغيرهم.

لكن مع شدة الحرب وقسوتها، أظهرت ملاحم تعايش، نستعيدها الآن للدفاع عن الذات الوطنية، ولو سُجلت لوصلنا منها الكثير، فمِن غير ما حصل في جبهات القتال، في حرب البصرة على وجه الخصوص، وما تقدم به الإيزيديون والطائيون (راجع: إسماعيل بك، اليزيديون)، وما وقفه آل السويدي (راجع: مذكرات سليمان فيضي) ضد محاولات القادة التُرك لإبادة المسيحيين، نأتي إلى المأثرة التي تركها بطريرك الكلدان عمانوئيل الثَّاني (ت1947) مع مواطنيه العراقيين: كانت «القيادة العثمانية نفت إبان الحرب العظمى الماضية نفراً من وجهاء بغداد من مختلف الطوائف والمذاهب، وأشخصتهم إلى الموصل، في طريقهم إلى الأناضول، فذهب الفقيد إلى القائد الألماني فون درغواز باشا يشفع فيهم (العثمانيون كانوا حلفاء للألمان). فأبدى المشير استعداده للعفو عن المسيحيين منهم فقط. فقال الحبر: إنني رجل دين، أبٌ للجميع، ولا أخص ملتمسي بفريق دون فريق، فاعدهم جميعاً أو فاجلهم جميعاً» (بصري، أعلام السياسة في العراق). كان هذا البطريرك، حسب ما يُنقل عنه، يكتب في تلك الأيام الحرجة التي تريد فيها تركيا الموصل، على لوحات مدارس الكنائس: «الموصل رأس العراق لا يُقطع»!

كان الزَّمن زمن الإمبراطوريات، ومَن يحاول إعادتها كأنه يحرث الماء، على أساس ديني أو غيره. فهل تعتقدون أن غافريلو قد حطم الإمبراطوريات برصاصته، أم هي حقبة زمنية ظهرت فيها أداة الحرب الفتاكة، والصناعة التي تحتاج إلى مواد أولية وأسواق، وعصر جديد وجد في الشَّاب الثَّوري غافر وأحلامه القومية ذريعة، الذي لم تقتله الحرب، ضمن ملايين المقتولين، وإنما قتله مرض السِّل.

ختاماً يقول حكيم زمانه زهير بن أبي سُلمى (نحو609م): «وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ/ وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ» (الزوزني، شرح المعلقات السَّبع). أقول: لا نظن أن الفرسين داحس والغبراء سبب حرب أربعين عاماً، وكذلك يصعب تصديق أن غافريلو أنشب حرباً راح فيها الملايين، فهناك ما عَرفه ابن أبي سُلمى «بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ»! أليست أسلحة الدمار الشَّاملة كسبب بغزو العراق تدخل ضمن ما ذهب إليه ابن أبي سُلمى؟

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*