Home » ثقافة » طريق حكومة عادل عبد المهدي.. وألغام الدولة العميقة ((2))
عادل عبد المهدي

طريق حكومة عادل عبد المهدي.. وألغام الدولة العميقة ((2))

الجمعة ٢٠١٩/٠١/١١
عبد الحسين شعبان…
باحث مفكر عربي
…ومقابل تراجع دور النخب الفكرية والثقافية، خصوصاً المستقلة ، نلاحظ تضخّم دور البيروقراطية الطفيلية الحزبية السياسية والدينية والإثنية وتغلغلها في جميع مفاصل الدولة لدرجة إن رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي كان قد صرّح بوجود عسكريين فضائيين زاد عددهم عن 50 ألف يتقاضون رواتب تصل إلى 500-600 مليون دولار من خزينة الدولة… والأمر يشمل أعداداً كبيرة من المدنيين، فضلاً عن وسائل صرف عديدة في غير أوجه الصرف، تلك التي كلفت الميزانية مليارات الدولارات خلال السنوات الماضية والمثال الصارخ على ذلك استمرار أزمة الكهرباء منذ ما يزيد عن 15 عاماً، وهؤلاء إذا انضموا إلى القطط السمان المدعومة من مراكز القوى والاستقطابات الطائفية والمذهبية والإثنية، فسيكون لهم القدرة على تعطيل سير عمل الدولة والعبث بأمنها الوطني ونهب الأموال والثروات، بما فيها تهريب النفط، سواء من جنوب العراق (البصرة) التي تعاني من شظف العيش أو كردستان التي تعرضت إلى هزّة كبيرة إثر ردود الفعل إزاء الاستفتاء الذي دعت إليه حكومة الإقليم في 25 سبتمبر/أيلول/2017.

وهكذا تبقى الدولة داخل الدولة والمقصود بذلك المنظمات السرّية ذات السطوة داخل الدولة أو المؤثرة في عملها، سواء أكانت دينية أم عشائرية أم حزبية، بعيدة عن الأنظار وخارج دائرة المساءلة لأن سلطتها سرّية وأذرعها طويلة، ومثل هذا الأمر ساهم في خلق طبقة سياسية جديدة تعتاش على الانقسام الطائفي – الإثني وتستغل غياب وحدانية القرار السياسي وهشاشة الوحدة الوطنية وضعف الهويّة الجامعة، وهكذا تكون الحكومة غير المرئية التي تدار بواسطة الأبناء والأصهار والأقارب والنافذين الحزبيين خفية وتمارس سياسة عميقة ولها ميزانيتها غير الخاضعة للمراقبة.

وإذا كانت الدول الشمولية تمارس دوراً سرياً بواسطة تنظيمات غير منظورة وبزعم حماية الأمن الوطني، فإن انهيار الدولة وحل بعض مؤسساتها العسكرية والأمنية واستشراء الفوضى، في ظل الانقسامات السياسية والمذهبية والإثنية، سيكون أكثر خطورة، وهذا ما فعله بول بريمر الذي قاد إلى تعويم الدولة وحتى الآن فإن محاولات إعادة البناء قد تستغرق زمناً طويلاً، لاسيّما في ظلّ تعدد المرجعيات التي تعلو على الدولة ذاتها أحياناً، وغياب الحد الأدنى من الوحدة الوطنية وحكم القانون واستقلال القضاء.

ويبدو إن سوء الحظ صادف عبد المهدي، فقد واجهت حكومته أزمة حادة إثر ارتفاع ملوحة مياه الشرب في البصرة والمحافظات الجنوبية، ورافقها أزمة بيئية وصحية خطيرة بسبب نفوق كميات ضخمة من أسماك الأنهار والبحيرات في محافظات بابل وواسط والديوانية، لأسباب مجهولة ، ناهيك عن التحديات التي ورثتها من الحكومات السابقة وما تزال العقد الرئيسية قائمة وأولها نظام المحاصصة والألغام التي احتواها الدستور ووجود جماعات مسلحة خارج القانون حتى وإن أُدمجت بالقوات المسلحة، لكن هناك استياء من أوساط واسعة من السكان من سلوكها وخشيتهم من بطشها، على الرغم من أن الجميع يقرّ بالدور المهم الذي لعبه الحشد الشعبي في تحرير الموصل والمناطق التي احتلها داعش.

ولعلّ هذا أول اختبار يواجهه عادل عبد المهدي، فإن استطاع تجاوزه وتوصل إلى توافقات ترضيه في اختيار بقية المرشحين، فالأمر سيكون خطوة مهمة أولى لتجاوز تدرجي وإن كان بطيئاً لما سارت عليه الحكومات السابقة، وإلّا فإن رضوخه للقوى المتنفذة سيجعل منه أضعف من رئيسي الوزراء اللذين سبقاه، فالمالكي والعبادي كانا مدعومين من كتلة سياسية كبيرة ومهيمنة، أما عبد المهدي، فإنه لا يمثّل إلّا نفسه حتى وإن كانت كفاءته ومقدرته السياسية أوسع وأعمق وأكبر من غرمائه السابقين، لكن توازن القوى داخل البرلمان سيكون مؤثراً على توجه حكومته، ولعلّ التجاذبات حول وزارتي الداخلية والدفاع خير دليل على ذلك.

والدولة العميقة التي تحدّث عنها ستكون له بالمرصاد لتعطيل أو تسويف أي قرار يتخذه إذا ما تعارض مع مصالحها، ناهيك عن أي اختلال في المعادلة الإيرانية- الأمريكية للنفوذ سيؤدي إلى خلخلة مواقعه، ولاشكّ فإنه والحالة هذه سيبقى محكوماً بمثل هذا التوازن وغير قادر على تجاوزه. وكان عليه أن يتعامل منذ البداية كرئيس لوزارة قوية ومؤثرة وهو ما يريده الشارع، وإلّا فالأفضل له تقديم استقالته ليحتفظ بهامش طالما ظلّ يبحث عنه في السنوات الماضية.

إن استشراف صورة الوضع العراقي مستقبلياً تكاد تكون ضبابية حتى الآن، فمنذ الاحتلال والعراق يعاني من خمسة تحديات أساسية:
أولها- الطائفية السياسية ونظام المحاصصة وليدها ، وقد قام على الزبائنية والغنائم، المر الذي أضعف الدولة وقوّض من عملية إعادة البناء بسبب التجاذبات المذهبية – الإثنية.
وثانيها- الميليشيات التي أخذت طابعاً ” شرعياً أو شبه ” شرعي” بعد إلحاق قوات الحشد الشعبي بالقوات المسلحة العراقية، واعتبارها جزءًا منه، والميليشيات بشكل عام تنتمي إلى القوى السياسية الشيعية التي شكّلت المشهد الأبرز في الوضع السياسي العراقي بعد الاحتلال.

وثالثها- العنف والإرهاب ، فقد استفحل في العراق على نحو لا مثيل له ، لاسيّما بعد تمكّن داعش من احتلال محافظة الموصل ومحافظتي صلاح الدين والأنبار وسيطرته على أجزاء من محافظتي كركوك وديالى، ووصوله إلى مشارف العاصمة بغداد. وعلى الرغم من هزيمته واندحاره إلّا أن بيئته ما تزال صالحة وبيضه يمكن أن يفقّس ، باستمرار سوء أوضاع النازحين وعدم عودتهم إلى بيوتهم، ناهيك عن تردي الخدمات الصحية والتعليمية والبيئية ، والأكثر من ذلك هو عدم استعادة الوحدة الوطنية في إطار مصالحة وطنية حقيقية.

ورابعها- الفساد المالي والإداري الضارب الأطناب في كيان الدولة العراقية والذي ينخر بجسدها وهو الوجه الثاني للإرهاب، فما زال أمام هيئة النزاهة أكثر من 13 حالة فساد كبرى، بينها أكثر من ألف حالة لوزراء ونوابهم وأصحاب الدرجات الخاصة وأعضاء في البرلمان وبعضهم من المتنفذين في الأحزاب القائمة، وغالباً ما يفلتون من العقاب، لأسباب تتعلق بدور القضاء ومحاولات التأثير عليه وبتواطؤ مع بعض المتسيّدين في الدولة ومفاصلها.

خامسها – هشاشة السيادة الوطنية، فالنفوذ الإيراني لا يزال قوياً ومؤثراً في العراق، سواء أكان بشكل مباشر أم غير مباشر، غبر القوى السياسية الحليفة لإيران أو عبر علاقات خاصة طائفية أم مصلحية أم أمنية، وكذلك فإن الولايات المتحدة لها نفوذ قوي سياسي واقتصادي وعسكري وأمني، وهو مكفول في إطار معاهدة الإطار الإستراتيجي بين بغداد – واشنطن، الأمر الذي يجعل السيادة العراقية معوّمة، وهو ما يعطّل إمكانية الخروج من المأزق الراهن، لذلك فالاعتقاد السائد إن العراق سيستمر يدور في أزمته ما لم تتوفر إرادة سياسية موحدّة، تستطيع أن تنهض به لتتجاوز نقاط ضعفه الحالية وتضعفه في إطار محيطه العربي، علماً بأنه يملك طاقات وكفاءات كبيرة ولديه موارد هائلة، ولكن ما يحتاجه هو اختيار الطريق السليم وبتعاون شامل عابر للطائفية والمحاصصة وإطار حكم القانون.

أصل هذه المادة نشرت في مجلة الشروق (الإماراتية) العدد 1396-1408/ 7-13 /1 /2019. وهي الآن بصيغة موسّعة.

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*