Home » ثقافة » العراقيون..وسيكولوجـيا الأعتذار
التعجب العراق

العراقيون..وسيكولوجـيا الأعتذار

الثلاثاء ٢٠١٩/٠٥/١٤
د.قاسم حسين صالح…
لا يعنيني هنا المواقف السياسية والتفسيرات والتأويلات (مع أو ضد) ما جاء في مداخلة النائب السيدة هيفاء الأمين في بيروت التي تحدث عنها الاعلاميون وجمهور الفيسبوك وجعلوا منها قضية أكبر من حجمها بكثير،انما دراسة سيكولوجيا الاعتذار عند العراقيين وعلاقتها بطبيعة الشخصية العراقية..في تساؤلين:

هل أن العراقيين هم أصعب خلق الله؟ ،وهل ان التسامح يصعب على الشخصية العراقية لعقد نفسية تتحكم بها؟..وتساؤل ثالث له علاقة:
ما الموقف الأفضل للسيدة هيفاء الأمين:اعتذارها بقولها (خانني التعبير)، أم التوضيح والدفاع عن مضمون مداخلتها؟
الأجابة على التساؤلين هي(نعم)..

تمعن في تاريخ شعوب العالم فانك لن تجد أصعب من العراقيين في علاقتهم بالسلطة أو بمن يمثلها.فتاريخهم يحدثنا بأنهم أكثر الشعوب قياما بالثورات والانتفاضات.واللافت أن جوهر المسألة لا يتعلق فقط، بظلم السلطات التي حكمتهم،بل بطبيعتهم الشخصية أيضا..ولهذا كان الخلفاء الراشدون أول الحكام في التاريخ الاسلامي الذين فهموا سيكولوجية العراقي فكانوا يراعون العراقيين في التعامل ويأخذون اعتراضاتهم مأخذ الجد.
ومشكلة السياسي العراقي أنه مصاب بـ(تضخم الأنا) وحب الشهرة..بمعنى إنه يرى نفسه الأجدر والأحق بالقيادة.وما لا يدركه كثيرون إنه ينجم عن هذه العلة أمراض سلوكية أخطرها (العناد العصابي)..وتعني الأصرار على الموقف حتى لو كان خاطئا،بطريقة يبدو فيها للآخرين محيرا،وخالقا لأزمات تحدث فوضى فكرية يختلط فيها خطأ وصواب أطراف الأزمة..وأحداث ما بعد 2003 تثبت ذلك.

والعراقيون عموما مصابون بعقدة الخلاف والبعد عن الاتفاق فيما بينهم ،حتى في القضايا التي تهدد حياتهم بالخطر لدرجة إنهم ما اتفقوا على واحد من بينهم يكون ملكا عليهم فاستوردوا لهم ملكا يحكمهم.ويندر إنهم حلّوا خلافاتهم بالتفاهم فكانوا أول من قام بانقلاب عسكري في المنطقة(1936)..وأبشع من قتلوا ملوكهم ومثلّوا بجثثهم،ثم صاروا يترحمون عليهم. وإنهم ما اتفقوا حتى على عبد الكريم قاسم الذي قتلوه ولم يجدوا بجيبه ما يساوي دينارا.

وعقدة ثالثة في الشخصية العراقية إنها من نوع (إما..أو) وهذا النوع من الشخصية يضعك بين خياريين،كليهما لصالحه ويشترط مسبقا شروطا حادة تقع في أضيق الزوايا وأسوأ الأماكن،ويعمد الى اغلاق الحوار ليدفعك أما الى القبول برأيه..او أن يدبر لك مكيدة فكرية،اجتماعية ،سياسية.

لتلك الأسباب،لتلك العقد..فأن ما حصل من ردود فعل سلبية ضد مداخلة السيدة هيفاء الأمين كان متوقعا،سيما وإنها شيوعية،وامرأة في مجتمع عشائري،وعضوة برلمان تطالب بما يتعارض مع مصالح أحزاب اسلامية تنفرد بالسلطة والثروة..وحكام قال عنهم كبيرهم الذي حكم العراق ثماني سنوات (ان الأحزاب الأسلامية في العراق استطاعت أن تدحر الماركسيين والعلمانيين والحداثويين وأن تنتصر عليهم)..مع انه رئيس وزراء ينبغي ان يكون ممثلا لكل العراقيين.

وجواباً على التساؤل الثالث:(ما الموقف الأفضل للسيدة هيفاء الأمين:اعتذارها بقولها “خانني التعبير”،أم التوضيح والدفاع عن مضمون مداخلتها؟).
إن الشخصية العراقية تعتبر التسامح هوانا،تساهلا، ضعفا،استجداء، أو خوفا،وليس كما يفهمه المتنورون بأنه فضيلة ،ولا حتى كما تفهمه الأديان والثقافات التي نبّه لها معهد جنيف لحقوق الانسان بان التسامح “قيمة ما خلا منها مذهب او معتقد أو دين أو ثقافة”،فيما قدم عراق ما بعد التغيير (انموذجا) للمتطرف طائفيا إنه يتصيد هفوات وزلات لسان الخصوم فيستثمرها لشن الهجوم ولن يغفرها حتى لو ركع متوسلا.

وكان على السيدة هيفاء أن لا تعتذر بطريقة (خانني التعبير) التي أرادت بها استرضاء هذا الصنف من الخصوم،بل أن توضح بأن تخلف الجنوب هو حقيقة واقعة من حيث انعدام الخدمات وارتفاع البطالة وزيادة نسبة الفقر توثقها باحصاءات الجهاز المركزي للأحصاء، وإن سبب هذا التخلف هو أحزاب الاسلام السياسي التي انفردت بالسلطة والثروة وما جلبت للعراقيين غير الفواجع وخراب وطن يمتلك من الثروات ما يجعل أهله يعيشون برفاهية..وتستعين بقول المرجعية الذي جاء على لسان الشيخ عبد المهدي الكربلائي(ان انشغال الطبقة السياسية بالنزاعات والتجاذبات والأختلافات على المواقع والمناصب،ادخل البلد في دوامة من عدم الاستقرار والتخلف عن بقية الشعوب..)..وبهذا فإنها تنقل الخصم من موقف الهجوم الى موقف الدفاع، وتنقل جماهيره ،والأخرى المتفرجة،من حالة الشحن الانفعالي (الطائفي) الى حالة التفكير بما حصل له ولأهله والوطن من فواجع وخراب.

ختاما..نصيحة لكل العراقيين حين يتحدثون للغرباء، ان لا تسيئوا لشعبكم، وتذكروا إن بلاد ما بين النهرين (ميسوبوتاميا) فيها نشأت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور وكلدان، وكان متوقعا للعراق ان يخرج في العام 1989من خانة الدول النامية الى خانة الدول المتقدمة لولا حماقة حاكم أدخله في حرب كارثية، وإنه بما يملك من ثروة وعقول تحتل الآن مواقع متقدمة في مؤسسات وجامعات العالم، أن يستعيد دوره الحضاري لولا أن جاء التغيير(2003) بحكام اعتبروا العراق غنيمة لهم فتقاسموه وجاءوا بجهلة جعلوا بغداده اسوأ عاصمة، ووطن الأنبياء والأئمة ثالث افسد دولة في العالم.

ونصيحة، أن ابتعدوا عن الارتجال بالكلام في الاعلام،وأجيدوا حسن اختيار مفرداتكم لاسيما في القضايا الحساسة اجتماعيا وسياسيا، والتصرف بما لا يمكن خصوم خبثاء من توظيفها جماهيريا لصالحهم. فلقد بلغني أن السيدة الأمين (تجاوزت على مديرات المدارس بسبب لبس الحجاب ووصفتهن بالملايات وتابعات للاحزاب),وإنها قامت (بتصرفات تدل على عدم وعيها ونضجها السياسي..وكلام غير رصين فيه اساءة للقيم والطقوس الدينية).. فان صدق هذا فان على الحزب الشيوعي العراقي أن يعالج الموقف بشجاعة مبدئية يجنبه ما تدبره عقول مأزومة تجيد فن التحريض على العنف بخباثة.. ومن يدري فان ما حصل ضد هيفاء الأمين سيخلق منها انموذجا للمرأة العراقية البطلة!

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*