Home » ثقافة » عندما تصر البصرة على مكانتها التنويرية
ياسر جاسم قاسم

عندما تصر البصرة على مكانتها التنويرية

الأربعاء ٢٠١٩/٠٧/٣١
ياسر جاسم قاسم…
مانحة التنوير عبر عصورها التاريخية التي انتجت من خلالها الوعي الذي صدرته الى بلاد كثيرة وقصية عنها، فبسبب جغرافيتها التي منحتها البحر.

ومنحتها أن تلتقي عندها طرق توصل بين الشرق والغرب ، وبسبب المدارس التي أسست على مشارفها وقربها استطاعت البصرة وعبر تاريخها الطويل أن تكون منارا ثقافيا وفلسفيا مهما ينتج المعرفة ويراكمها ، واصبحت البصرة ومنذ نشأتها مناراً للتنوير الذي حرم منه العالم طوال عصور كثيرة في حين كانت هذه المدينة شاهداً عظيماً على نهضتها فقدكانت سياسياً منطقة معارضة لسياسات العديد من الخلفاء على مر تاريخها مما أكسب أهلها وعياً سياسياً مبكراً واصبحت كذلك مركزاً للطوائف كبير جداً ، فعاش على أرضها الأشاعرة والمعتزلة والاسماعيلية وحتى جزء من القرامطة بجناحها الفلسفي المتمثل بإخوان الصفا وكذلك كانت وحتى العصر الحاضر موئلا للشيعة باصنافها ومنها الإخبارية والاثناعشرية والشيخية، كذلك فان الأديان قد عاشت على أرضها متحابة ومتسامحة وقد ضمنت البصرة مبدأ التعددية الثقافية البارز في هذا المجال إذ نجد الأديان بمعابدها تتربع في وسط هذه المدينة ، فقد شهد البصري في مناطق المدينة المتعددة وجود المسيح بطوائفهم من بروتستانت وكاثوليك وآرثذوكس ووجد أمامه كنائسهم التي كانت وما زالت تقف شامخة جنبا الى جنب مساجد البصرة وجوامعها ، البصرة بما حوت من تنوع استطاعت ان تكون مدينة للتعايش السلمي وتقبل الاخر، لأن الآخر قد عايش الجميع ضمن نطاق البصرة الجغرافي ، واصطبغت ثقافة المدينة ضمن ما يعرف بالتسامح الثقافي الذي استطاع أن يجمع كل هذا الجمال في مدينتنا ، وها هي اليوم تصر وكما الأمس على ان تقاوم اي مد تطرفي ظلامي ، إذ تصر على مدنيتها الجامحة وتصر على أن تظل أيقونة العراق بل أيقونة شرق أوسطية لا تضم النفط فحسب ، بل تضم كل شيء جميل من ثقافة ومعرفة وجمال طبيعة وشعر ، فالبصرة هي التي أسست للكثير من الأدب والثقافة والفكر ، يقول حجاجها كاظم:

نحن البصريين،
نطفئ الشعر حين ننام…
ونؤرق مصباحنا للضيوف!
فهكذا هي البصرة في نظر محبيها وشعرائها.
البصرة منذ تأسيسها هي مركز اقليمي بل مركز عالمي للثقافة والفنون والمعرفة ، فان أردنا أن نعدد اسماء مفكريها وشعرائها عبر العصور لانتهيا دون اأن نحصيهم وقد تحول مسجدها الجامع خلال العصر الأموي الى جامعة ضخمة تروى فيها الأحاديث ويفسر فيها القران وتعقد المناظرات الكثيرة ويناقش كل شيء فيها ، حتى يروى أن الملاحدة كان لهم حلقة خاصة في المسجد أمثال بشار وصالح بن عبد القدوس وغيرهم كثير ،وكانت من أهم الشخصيات التي وجدت في البصرة شخصية إبراهيم النظام( 160هــ – 231هــ) استاذ الجاحظ وصاحب الشك وصاحب مبدأ الطفرة ، هذه الشخصية العظيمة يروى إنه كان شاعراً أيضاً والذي قال فيه تلميذه الجاحظ: الأوائل يقولون في كل ألف سنة رجل لا نظير له ،فان كان ذلك صحيحاً فهو : ابو اسحاق النظام” ومن روائع شعره وعظيمه:

توهمه طرفي فألم خده فصار مكان الوهم من خده أثر
فصافحه كفي فالم كفه فمن صفح كفي في انامله عقر
ومر بفكري خاطرا فجرحته ولم أر خلقا قط تجرحه الفكر
وكان من الشخصيات التي رسخت التنوير قولاً وفعلاً ….

إن إعمال العقل الذي تميزت به هذه المدينة جعلها ممن الريادة بمكان في تنوير العقول ودفع الظلاميات لذلك كانت البصرة عصية على الظلاميين على مدى عصورها ودهورها وينبغي لمن يتعامل معها اليوم أن يقرأ تاريخها جيداً…

تخلو المدينة اليوم وبشكل كبير من أي تماثيل وفنون وبانورامات توضح ماضي المدينة العظيم، لذلك ننتهز هذه الفرصة نحن كمثقفين ومفكرين وأدباء وشعراء بان نطالب الجهات المعنية بتحويل هذه المدينة الى متحف كبير يضم صوراً وبانورامات وتماثيل لكل هذه الاسماء العظيمة التي مرت بها، فمثلا تحتفل القاهرة اليوم بابن الهيثم لأنه سكن مصر وتوفي فيها ، في حين كان هذا العالم الكبير بصرياً عظيماً في مجال الفيزياء، ولا نملك في البصرة أي صرح له ، لذلك أجد أن مطلبنا الأساس اليوم هو أن يكون للجاحظ وابن الهيثم والنظام والحسن البصري وواصل وعمرو بن عبيد وائمة النحو العظام كأبي الأسود وغيرهم من علماء البصرة الكبار أن تكون لهم صروح ثقافية نفتخر بها، كما في مدن عالمية تفتخر بعلمائها عبر العصور عبر تماثيل وتحف فنية في شوارعها كما روما مثلا وباريس وغيرهما كثير.

إن البصرة اليوم وبنهضتها الحالية عبر مثقفيها تقود حراكاً ثقافياً قل نظيره في عصرها الحديث ، ساهم هذا الحراك دون أدنى شك في زرع الوعي الكبير لدى ناشئتها إيمانا بتغيير قادم وقد استفادت من هامش الحرية بعد التغيير في 2003 في تنوع لقاءات مثقفيها وتنوع مجالسهم الأدبية والفكرية فبالاضافة الى اتحادها العريق اتحاد الأدباء والكتاب فيها نجد ان نشاطات مثقفيها بازدياد كبير.. وها هي بصرتنا اليوم مستمرة في عطائها الفكري والثقافي والأدبي وبشكل عظيم على الرغم من الظلاميين الذين حاولوا وما زالوا إلإرجاعها عن خطها التنويري الذي عرفت به طوال زمانها.

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*