Home » ثقافة » التسامح مهمة عالميَّة.. في عصر العولمة (2-1)
رشيد الخيون

التسامح مهمة عالميَّة.. في عصر العولمة (2-1)

الثلاثاء ٢٠٢٠/٠١/١٤
رشيد الخيُّون…
ربَّما لم تكن الحاجة ماسة وضروريَّة للتسامح الدِّيني، مثلما هي الآن في عصر العولمة، والذي يعني تقارب الشُّعوب واختلاطهم، مِن أقصى الشَّمال إلى أقصى الجنوب، عبر الاقتصاد والاجتماع، وتطور أدوات التَّواصل الاجتماعي إلى ما يعبر عنه بـ “لمح البصر”، مِن أقصى الأرض إلى أقصاها.

يضع هذا التقارب الإنسان مع أخيه الإنسان وجهاً لوجه، على اختلاف الأديان والعقائد، ناهيك عن التَّطرّف الذي يحاول مواجهة هذه الظَّاهرة بالانعزال العقائدي، بذريعة الدِّفاع عن الذات، أو الهويَّة الدينية، بكراهيَّة وإقصاء أكثر. فالتَّسامح لم يُعد مهمة وطنية أو مهمة دولة وشعب، إنما مهمة العالم كافة، بمعنى أن يحصل التَّعاون والأخذ بالتَّجارب في هذا الشأن، فلكلِّ دولة وشعب تجربتُه، وبما تقرّه ديانته وتقاليده، وهنا تأتي مهمة الدَّولة، فمِن المعلوم أن مقالة “النَّاس على دين ملوكهم” (ابن الطَّقطقي (ت708هـ)، الفخري في الآداب السُّلطانيَّة)، أو حسب ابن خلدون (ت808هـ): “النَّاس على دين الملك”، صحيحةٌ، فتوجه الدَّولة في التعليم والثَّقافة والمعارف بشكل عام، يضع شعبها أمام مسؤوليَّة تكريس التَّسامح، واشتراكه في هذه المهمة.
إسلاميَّاً، وردت الآية واضحة: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” (يونس: 99). كذلك وردت آيات واضحات تؤكد حرية الضَّمير، وما يخص الاعتقاد الدِّيني، وهو جوهر التَّسامح واستقلال الضَّمير: “إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ” (الحج: 17). وتتكرر الآية في سورتي (البقرة: 62)، و(المائدة: 69).
كانت ساحات العواصم الأوروبية الكبرى أمكنة للرّعب الدِّيني، بينما تحظى اليوم بالحريات الدِّينية الواسعة، والتَّسامح الدِّيني منقطع النَّظير، ليس بمعنى عفو القوي عن الضَّعيف، إنما بمعناه الأعمق: التَّعايش المريح على أساس المواطنة ودولة القانون، أي تعايش لا فقط تساكن، ولم يتم ذلك إلا بعد إلغاء فكرة وممارسة الانتماء الدِّيني معياراً للمواطن الصَّالح، بل قضية شخصية، لا عقوبة على الالتزام بها أو عدم الالتزام، لأن الأمر مرجعه لله.
إن مقولة “حرية الضَّمير”، تحتاج إلى وطن يتحمل الجميع، على مختلف أديانهم ومذاهبهم، وهو ما أكدت عليه الآيات المذكورات. إن نجاح أوروبا في تحقيق التَّسامح دَعمه النَّص الدِّيني، مثلما هو متوافر لدينا، مِن آيات وأحاديث ووصايا، ولا يؤخذ علم “النَّاسخ والمنسوخ” بنظر الاعتبار، لكونه جاء لإلغاء أو حذف عشرات النُّصوص التي لا تسمح بالعنف الدِّيني وتوصي بالتَّعايش والتَّسامح، ومِن بداية القرن العشرين ظهرت محاولات لنبذ الدِّكتاتورية الدِّينية، على أنها أفظع مِن الدّكتاتورية السِّياسية، بل إحداهما تدعم الأخرى.

التجربة الأوروبية
كانت لفظة “التَّسامح” (Tolerance) متداولة في القرن السَّادس عشر الميلادي، بسبب السَّعي مِن أجلها والحاجة لتأكيدها، وقد حافظت “على معنى القبول والتَّحمل السَّلبي، الذي يطلُّ مِن مؤلفات كبار الأدباء، وكان فعل التَّسامح متداولاً منذ زمن طويل دون مصدره في معرض الحديث عن الحرية الدِّينية، حتى ظهرت رسالتا جون لوك (ت 1704م) “التَّسامح”، ورسالة فولتير (1778م) “التَّسامح”، فأصبحتا مادة ثقافية ومعرفيَّة لتكريس فكرة التَّسامح، وما ظهرت هاتان الرِّسالتان، إلا بعد تجربة مِن التشدد والعنف، بسببٍ ديني.
مِن المعلوم أن السَّعي إلى تحقيق “التَّسامح” احتاج إلى “إصلاح” ديني وعصر نهضة، في مختلف المجالات، فلولا وجود الأخير ما بُحث في شأن الأول، ويرى المؤلف: أن أكثر الثَّوريين على الكنيسة، في القرن السَّادس عشر، لم يظهروا بالمظهر الثَّوري للإطاحة بالماضي برمّته. لذا أخذ التحديث في ذلك العصر أشكالاً متنوعة، ومنها الارتداد إلى التقاليد الموغلة بالقِدم. حتى بدت حركة النَّهضة إحياءً لفنون العصور القديمة، وكأن الإصلاح الدِّيني راضٍ بالعودة إلى معتقدات الكنيسة الأولى، وممارستها لدعم الإصلاح بها “ولسوف يحذو الحذو عينه أنصار التَّسامح وخصومه على السَّواء، باتباعهم طريقة اللاهوتيين المدرسيين (السّكولاتيين) التي تقضي بالاستناد إلى المرجعيات وهي: الكتاب المقدس بعهدَيه القديم والجديد، وآباء الكنيسة، وبنسبة أدنى، لاهوتيو العصر الوسيط” (لوكلير، تاريخ التَّسامح في عصر الإصلاح).
لا ريب، في أن سعينا كباحثين عن التَّسامح والتَّعايش الدِّيني والمذهبي؛ ومواجهين للإسلام السِّياسي بالشَّرق الأوسط على وجه الخصوص؛ نجد أنفسنا نسير بالمسار الأوروبي نفسه، مِن حيث المضمون، مع اختلاف المعاناة، ففي أكثر المؤلفات الفكرية والأدبية والدِّينية، التي نحاول تكريس التَّسامح عبرها، نجد أنفسنا قد استغرقنا في الماضي وفي الدِّين نفسه، متخذين مِن النصوص الدينية وتراث علماء الدِّين المنفتحين، على قدر تقاليد عصورهم، أسانيد فيما نريد طرحه مِن ثقافة، وأظن أن السَّبب يتعلق بمقابلة ما يطرحه المتشددون، فهم يؤثرون على أغلبية النَّاس، وخصوصاً البسطاء، بالتراث الدِّيني والتَّقاليد القديمة، مِن خلال النُّصوص الدِّينية أو الأدبية والأخلاقية. لعلَّ أهم وثيقة، قبل أن تسود المسيحيَّة بأوروبا، وقبل أن تُتخذ ديانةً رسميَّة للدولة الرومانيَّة والبيزنطينيَّة، عقدها الملكان الروماني ليقينوس والبيزنطي قسطنطين، وكان على الدِّيانة الوثنيَّة، مع أن الأخير اقترب مِن المسيحية ولم يعلنها بعد كديانة رسميَّة لإمبراطوريَّته، فوقعا بينهما ما عُرف بمرسوم ميلانو (313م)، بعد أن صار الكف عن إيذاء الأديان المخالفة ضرورة لشعوب الممالك آنذاك، بعد اضطهاد وتعسف ضدها، ولأهميته – كوثيقة تاريخية تجد حيويتها في عصرنا الحاضر – ننقله نصاً بما تُرجم عن اليونانية، ومن بعده نأتي بصحيفة يثرب، التي صدرت العام 622 ميلادية، فالأُولى صدرت من الغرب غير المسلم، وقبل الإسلام بنحو ثلاثة قرون، والأخيرة صدرت من المشرق في العام الأول للهجرة.

مرسوم ميلانو
“لما كُنا نحن الموقَّريْن، قسطنطين وأنا ليقينيوس، قد اجتمعنا في ميلانو لمعالجة القضايا المتعلقة بمصلحة الإمبراطورية وأمنها، فقد رأينا أن ليس بين الموضوعات، التي تُشغلنا، ما هو أجدى لشعبنا مِن أن نعمد، أولاً، إلى تنظيم طريقة تكريم الآلهة. لذا اتفقنا على إعطاء المسيحيين حُرية ممارسة الدِّيانة التي يفضلون، أسوة بالآخرين، كيما تتعطف علينا الآلهة المتربعة في علياء سمائها، وتؤيدنا نحن وجميع الخاضعين لسُّلطاننا. لقد رأينا مِن الحِكمة والصَّلاح ألا نرفض لأي مواطن، مسيحياً كان أو متعبداً لآلهة أخرى، حقَّ ممارسة الدِّيانة التي تُناسبه على أفضل وجه؛ حتى إذا انصرفنا كُلنا إلى تكريم الإله الأعظم بملء حريتنا، رجونا أن نحلم برضاه وفضله المعهودَين. لذا وجدنا مِن المناسب أن نُعلم سيادتكم (الرِّسالة وُجِّهت إلى إمارات الدولتين) بحذفنا القيود المتضمنة في القرار السَّابق بشأن المسيحيين (القرار 312)، والسَّماح لهم بممارسة دياناتهم ابتداء مِن هذه اللحظة، مِن دون التَّسبب لهم بإزعاج. لقد أصررنا على إعلامكم بالأمر، على أوضح وجه، لكي تكونوا على بيِّنة مِن أننا نترك للمسيحيين الحرية التَّامة والمطلقة في ممارسة شعائرهم الدِّينية، ولما كنا قد منحنا هذا الحق للمسيحيين فليس ليفوت سيادتكم، بالطَّبع، أن ما يحق لهؤلاء يحقُّ للآخرين أيضاً، ومتى منحنا رعايانا كافة كامل الحرية في عبادة الإله الذي اختاروه، ولم نضنّ على أيِّ مِن الآلهة بالإجلال المتوجب لها، حققنا إنجازاً يليق بعصرنا، ويتلاءم مع حالة الهدوء والاستقرار التي تنعم بها الإمبراطورية” (لوكلير، تاريخ التَّسامح في عصر الإصلاح).
أصبح قسطنطين مسيحياً وأمضى معه ليقينيوس، الذي ظل على وثنيته، قرار الحرية الدِّينية، وكان الأخير يُعد مِن الأوساط المثقفة في الوثنية، وكأن هناك (حسب لوكلير) اتجاهاً نحو الاعتراف برأس آلهة متعددة، على أن للمسيحية إلهاً ولليهودية إلهاً، ومثل ذلك يكون للوثنية، بمعنى “ارتباط العلة بالمعلول”. كان المدافعون عن المسيحية يفترضون ضمناً تسليم قرائهم أو أتباعهم، بوجود إله مشترك بينهم وبين الوثنيين “تلقائياً في الابتهال إليه”.
يصعب إنجاح ثقافة التَّسامح بدولة دون أخرى، ونقصد النَّجاح الأكبر والدائم الذي يسود المجتمع والعلاقات بين الأديان، فالعالم صار مشتبكاً في ظل العولمة، عبر الاتصال السَّريع، والذي عبرنا عنه بـ “لمح البصر”، والتداخل الاقتصادي والاجتماعي. لذا تصبح المهمة مشتركة، على المستوى الثَّقافي والسِّياسي، وهنا يأتي دور رجال الدِّين، من مختلف الأديان، وعبر تأثيرهم الرُّوحي في المجتمع.
أصبحت الحاجة ماسة لقيام مراكز الحوار الدِّيني والمذهبي، الذي يرافق الاختلاط بين الشُّعوب، وتأتي مهمة تدريس الأديان المقارنة، في المدارس والجامعات، فليس من المنطق أن تتحدث عن التعايش والتسامح، والتعليم لا يُقدم المعرفة بمَن تريد التعايش والتَّسامح معهم. نخلص بنتيجة، بعد قراءة التَّجربة الأوروبيَّة، في تكريس التَّسامح الدِّيني، أن الدور يقوم به الملك والمثقف، وقد حصل بأوروبا أن المثقف يكشف الأسباب ويرسم الطَّريق، والسلطة تصدر القوانين.
لقد أصبح العالم وشعوبه قرى متجاورة، لا قيود على الاتصال بينها البين، فلا مسافات مانعة، ولا جبال، وبحار حاجزة. هذا ما عبر عنه محمد مهدي الجواهري (ت1997) ببلاغة، وتوقع ذلك العام (1951)، حين قال: “يا مصرُ: لاءَمت البسيطةُ شَملَها/فالكونُ أصغرُ والمسافةُ أقصرُ/ وتلاقتِ الدُّنيا فكاد مُشرِّقٌ/مِن أهلها بمُغرِّبٍ يتعثرُ/ ويكادُ بيتٌ في العِراقِ بجذوةٍ/ مضرومةٍ في “تِيبَتٍ” يتنوَّرُ”(الديوان 4 ص 28). أبعد من هذا بكثير نقرأ لأبي سليمان السِّجستاني (ت 380هـ) في الإشارة إلى العولمة، في تراثنا الإسلاميّ، التي تتحقَّق الآن عبر الأثير، أو الفضاء الافتراضي، بما نصفه بتواصل “لمحة البصر”، عندما قال: “الأمكنة في الفلك أشد تضامناً من الخاتم في إصبعك، وليس لها هناك هذا البعد الذي تجده بالمسافة الأرضية من بلد إلى بلد بفراسخ تقطع، وجبال تُعلى، وبحار تخرق” (التَّوحيدي، الصَّداقة والصَّديق).

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*