Home » اراء و مقالات » هل ستنهي كورونا مجتمعاتنا القديمة؟
علي حسين

هل ستنهي كورونا مجتمعاتنا القديمة؟

الأربعاء ٢٠٢٠/٠٣/٢٥
علي حسين…
ونحن نعيش كابوس كورونا الذي اغلق العالم مثلما وضعت مجلة إيكونوميست البريطانية على غلافها عنوان مغلق ، ولاننا جزء من هذا العالم فقد اطاح بنا الإغلاق القسري، وهو الامر الذي جعل هواة الكتب يحتمون بمكتباتهم بحثا عن اجابات لأسئلة تحيرهم ، ومنها سؤال : ما الحياة ؟ وكنت قد قرأت في كوميديا دانتي الإلهية: ” أن حل السؤال يكمن في صياغته؟”.

وانا طالب في مرحلة الشباب كنت أحاول أن أقفز بخفة فوق الأفكار. أقرأ الكثير من الكتب الصغيرة والمجلات وأتوهم نفسي إنني أعرف أشياء مهمة، وبالنسبة لفتى مراهق كانت تدور برأسه أسئلة معينة عن معنى الحياة؟ بعد ذلك قرأت هذه العبارة الجميلة لجان جاك روسو عن الحياة، والذي يحدد روسو فيها ميزة الإنسان في هذه الحياة، بإمكانية التحسن أو كما أخبرنا تشارلز داروين فيما بعد بقدرته على التطور، وعند روسو إن ميزة الإنسان في قدرته على انتزاع النفس من وضعها الخاص،، لكي تبلغ درجة من الكمال.

في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة تسلمه جائزة نوبل عام 2001، يصف لنا الروائي”فيديادر نايبول”بشكل رائع تجربته في طرح سؤال ما الحياة؟، وكيف اكتشف المنافع التي يمكن أن تحملها القراءة، ليس فقط في تنمية الوعي، ولكن بشكل أعمق في قيادة حياة إنسانية.في هذا النص يروي نايبول قصة طفولته في جزيرة”ترينيداد”ويأتي على ذكر القيود المرتبطة بحياة الطوائف الصغيرة والمنغلقة:”نحن المهاجرين من الهند،كنا نحيا حياة مقيدة بطقوس، ولم نكن بعد قادرين على تقييم أنفسنا وهو أمر ضروري من أجل البدء بالتعلم، في ترينيداد حيث كنا نشكل، كوافدين جدد طائفة محرومة، كانت فكرة التهميش هذه نوعاً من الحماية تسمح لنا لفترة وجيزة أن نعيش على طريقتنا الخاصة، ووفق قواعدنا الخاصة.كنا نمرر الأيام كان العالم الخارجي موجوداً في شكل من أشكال الظلمة، ولم نكن نتساءل عن أي شيء”.ويشرح”نايبول”كيف صارت مناطق الظلمات، تلك منذ أن أصبح قارئاً، أي كل الذي كان موجوداً في الجزيرة والذي لم يكن يراه بسبب انطوائه على نفسه، استطاعت الكتب أن تساعده كانسان على توسيع الأفق والإطاحة بمناطق الظلمات .

لم يصدق نايبول حصوله على جائزة نوبل حين اخبرته زوجته بان رئيس الأكاديمية السويدية على الهاتف يريد أن يعلمه بفوزه لأنه ظن أن أحداً ما يريد أن يمازحه. ، قبل إعلان الجائزة كان قد أمضى ليلة قلقة. أحس بتعب فكري بعد استعادة أعماله: “كأنني شعرت بمشاق كتابة كل تلك الكتب. بدت رحلة طويلة الى درجة سخيفة وشعرت بتعب كبير، كبير، وتساءلت كيف سأتمكن من الاستمرار ” ، ويتذكر أن الجائزة كانت تخذله كل عام منذ ان ذهبت عام 1992 الى مواطنه الكاريبي ديريك وولكوت الذي كان يوجه سهام الانتقاد الى نيبول ، لأنه يرتكب حماقات عنصرية لا يرتكبها الكاتب الجاد ، وقد كتب نيبول بعد ذلك يقول :” كتبت بتعاطف كبير عن افريقـــيا. كانت طريقتي قاسية لكنها حافلة بالشفقة ورؤية المصاعب”.

ولد فيد بادر نابيول في السابع عشر من آب عام 1932 لعائلة وصلت من الهند إلى ترينيداد إحدى جزر الكاريبي ، وهو جزء مما سماه في وقت من الأوقات “مجتمع آسيوي مهاجر في جزيرة صغيرة في العالم الجديد”. لقد كان مجتمعاً لم يشعر به أبداً بالراحة فيه ، كان يصفه بانه مجتمع “فظيع جداً” ويطلق على عائلته وصف “رهيبة ” لأنها تضم أعداداً كبيرة من الأفراد ، وقد اتاحت له منحة حكومية عام 1950 أن يهرب من هذا الجو العائلي الخانق ليكمل دراسته للغة الانكليزية في أكسفورد : ” عندما وصلت إلى أكسفورد شعرت أنني تخليت عن ملابسي وأنني شخص قبيح ، أسود، خالٍ من أية محاسن وليست لدي أي خلفيات، ولا أمتلك سوى الوحدة، وذكائي”.

ولأنه كان يحلم بأن يصبح كاتباً منذ أن كان في العاشرة من عمره ، فإنه حاول أن يكتشف ” الكتابة ” أثناء دراسته الجامعية ، لكنه بدلاً من ذلك عاش فترة صعبة كان يعاني فيها من “العزلة واليأس” ويكتب في دفتر يومياته :” لقد كنت مستعداً للعيش وسط هذه الأجواء ، لأنني أشعر بأنني أكثر ذكاء بكثير من معظم زملائي في الكلية . “في عام 1954 يبدأ في كتابة روايته الأولى التي يسميها ” عامل التدليك المتصوف ” وأصر أن يكتبها باللغة الانكليزية ، مما أثار استهجان مواطنيه الذين وصفوه بأنه رجل بلا جذور، متعلق بالغرب، يخجل من أصوله الهندية ، يرد على منتقديه بأنه لايعرف غير حضارة واحدة ومكاناً واحداً هو لندن :” أي مكان آخر كان خداعاً للعقل ، الوطن من أجل ماذا؟ هل هو من أجل أن أنحني أمام رجالنا العظماء؟ أم للاختباء، وبالنسبة لأناس في مثل وضعنا، أناس اقتيدوا للعبودية، فان هذه أكبر خدعة على الإطلاق، نحن لانملك شيئاً، بل نعزي أنفسنا بالفكرة الخاصة عن الرجال العظماء لقبيلتنا ، ولكننا نخفي أنفسنا أي نقول خذ رجولتي واستثمرها لي، أو خذ رجولتي وأصبح رجلاً عظيماً من أجلي، لا، إنني أريد أن أكون رجلاً بنفسي”.

يواصل الكتابة بالانكليزية ، فظهرت له روايات ” شارع ميجيل ، نصف حياة ، منعطف النهر ، في بلاد حرة ، بذور سحرية ، منزل السيد بيسواس ، المحاربون .بعد حصوله على نوبل يتوقف لاكثر من عام ثم يعاود الكتابه :” المعجزة الكبيرة انني استطعت أن أبدأ الكتابة من جديد فما زال القلق حاضراً من أن أفشل قبل أن أبدأ”. يؤمن مثل كاتبه المفضل مارسيل بروست مؤلف “البحث عن الزمن المفقود ” بان الروائي : ” لايكتب بالجانب الاجتماعي من حياته لأن هناك ذات أخرى داخلنا تدفعنا الى البوح : ” ما نقدمه في الكتب هو إفرازات روحنا الــشديدة الــعمق”.

يحصل على جائزة البوكر البريطانية عام 1971 عن روايته في بلاد حرة التي وصفتها لجنة الجائزة بانها ” سمفونية داكنة عن الاغتراب ” ، وإضافة الى الروايات قدم صوراً قاتمة للهند وإفريقيا والإسلام في سلسلة من قصص الرحلات كان أولها عام 1964 بعنوان “منطقة الظلام” و “يوميات الكونغو” في عام 1980 و 1981 بين المؤمنين. وقد وصف إدوارد سعيد ما كتبه نايبول بانه “شاهد على الادعاء الغربي” ، وأضاف سعيد إن نايبول ليس فقط “غير مهتم بالعالم الثالث على الإطلاق” ، لكن رواياته كانت مليئة “بالجهل والأميّة ” . فيما اعلن نايبول أنه غير مكترث بالانتقادات ، كما أوضح للأوبزيرفر في عام 2008 : “عندما أقرأ هذه الأشياء ، أشعر بسعادة غامرة إنهم لا يجرحونني على الإطلاق”.

يكتب الفيلسوف الروماني سينيكا إن الحياة الأكثر سعادة هي أن تعيش مع الكتب. آمن الفلاسفة القدماء إن باستطاعة الكتب أن تمدنا بالسعادة، وتتيح لنا التحكم بالسعادة، وتتيح لنا الكتب التحكم بأهوائنا وتصحيح الأفكار المغلوطة، فالكتاب يقودنا الى علاقة متوازنة مع الحياة.

في عام 1571، اعتزل المفكر والفيلسوف الفرنسي ميشال دي مونتاني، الناس والحياة العامة والنشاط السياسي ملتجئاً الى مكتبته، كان آنذاك في الثامنة والثلاثين من عمره، هناك راح يقرأ ويفكر:”ليس ثمة أجمل من القراءة والتفكير، لزيادة معرفتنا، وانتشال ارواحنا من الظلمة”.

كان مونتاني يعيش في الريف الفرنسي في بيت أشبه بالقلعة اشتراه جده من عمله في التجارة، في هذا البيت فتح عينيه على مكتبة كبيرة تضم أكثر من ألف مجلد في الفلسفة والشعر والتاريخ، قرأ وهو شاب صغير ما كتبه أبيقور عن الحياة والحب، واستمتع بمحاورة سقراط عن العدالة، ويكتب آلان بوتون في كتابه”عزاءات الفلسفة”إن:”مونتاني في سن الثامنة قرأ كتاب مسخ الكائنات لأوفيد، وفي سن السادسة عشرة حفظ الالياذة والانياذة و كانت القراءة مصدر تعزيته في عزلته كانت تريحه ويمكنها في أي وقت أن تخلصه من الرفاق المملين، الالتجاء الى الكتب هو كل ما كان يحتاج اليه كي أطرد الافكار الكئيبة”.

ومن اجل طرد الأفكار الكئيبة وجدتني ابحث في الكتب عن الأزمة المعاصرة ، فكان يلوح لي وجه نيتشه بشاربه الكث وهو يسخر منا : لن تنجوا من الطوفان ، ولان الوضع لا يحتمل سخريات فيلسوف العدم ، فقد لجأت الى عام الاجتماع والفيلسوف الفرنسي آلان تورين الذي يدخل بعد أسابيع عامه “95” .. وليكن كتابه “نهاية المجتمعات” – ترجمه الى العربية عبد الرحمن حزل – ربما يجيب على بعض الأسئلة التي تحيرنا. يسأل تورين انه منذ الأزمة الاقتصادية التي حدثت في اوربا عام 2008 فقدت كل المؤسسات الاجتماعية مكانتها . ويتساءل ماذا يحدث إذا كانت الركائز الأساسية لمجتمعاتنا الديمقراطية تتزعزع في عصر العولمة؟

ويرى تورين انه بعيداً عن الخوف من الفوضى التي ترافق وتسارع الانحدار، يسعى هذا العمل إلى توحيد قصّة نهاية والإعلان عن قصة بداية والمقصود بها نوع آخر من الحياة الاجتماعية والفردية قائمة على الدفاع عن حقوق إنسان كونية ضد منطق المصالح الضيقة والمنفعة.

في الثالث من آب عام 1925 ولد آلان تورين في بلدة على شاطئ بحر المانش. والده طبيب ميسور الحال، ووالدته تعمل في التدريس، حاولت أن تعلّم أبنها كيف يحب الحرية والعلم والمعرفة، التحق عام 1945 بمدرسة المعلمين العليا في باريس، التي تخرّج منها جان بول سارتر وريمون آرون وسيمون دي بوفوار وميرلو بونتي وغيرهم من الأعلام، لكنه بعد عامين يترك الدراسة، ليقرر السفر إلى هنغاريا ومن بعدها الى يوغسلافيا، ثم يعود الى فرنسا ليعمل عاملاً في أحد المناجم، كانت تجربة العمل في المناجم مرحلة غنية في حياة تورين حيث قربته من المسائل المتعلقة بالصناعة وعالم رجال الأعمال، وتعرف من خلالها على الحياة الاجتماعية للعمال، الأمر الذي مكّنه من أن يصدر أول كتبه عام 1955 وكان بعنوان”تطور العمل في مصانع السيارات”والكتاب هو أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه، بعدها يسافر الى تشيلي، يتزوج هناك وتصبح بلدان أميركا الجنوبية موضوع أبحاثه، حيث أصدر كتابه الشهير”الكلمة والدم”عن معاناة عمال المناجم في تشيلي. ساهم عام 1959 في تأسيس مجلة”سوسيولوجيا العمل”. وحصل عام 1964 على دكتوراه ثانية من خلال أطروحته”سوسيولوجية الفعل الاجتماعي”. يذهب الى بولندا ليعايش تجربة العمال هناك، ويعقد صداقة مع رئيس نقابة التضامن ليش فاليسا، الذي أصبح فيما بعد، رئيساً لجمهورية بولندا.

رفض طروحات صموئيل هنتنغتون حول صدام الحضارات، وسخر من مقولة فوكوياما”نهاية التاريخ”، والتي يرى فيها فوكوياما الانتصار الكامل والنهائي للمعسكر الرأسمالي ولنظرياته الليبرالية، وفشل النظريات الاشتراكية، حيث يطرح تورين بديلاً آخر يتعلق بـما أسماه”نهاية المجتمعات ، وكما نوهت يجد تورين أن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي انطلقت في عام 2008 لتشمل آثارها، العالم كلّه والتي لم يشهد لها مثيلاً إنما تمثل”قطيعة عميقة”بين الرأسمالية المالية التي تجد تعبيراتها البليغة في الأسواق المالية، وبين الاقتصاد بالمعنى الرأسمالي الإنتاجي. تلك القطيعة تمثل دلالة واضحة، برأيه، على نهاية المجتمعات الصناعية التي قامت قبل حوالي قرنين من الزمن.

عندما تندلع أحداث 68 في فرنسا والتي سمّيت بثورة الطلبة، يقف تورين إلى صفها ويصدر عن الحركة كتاباً بعنوان”حركة مايو أو الشيوعية الطوباوية”، حيث وجد في هذه الحركة لحظة أساسية في دخول الثقافي والمعرفي والفني إلى ساحة التأثير السياسي، حين اعتبرها بمثابة هجمة الثقافة على القرار السياسي وشبهها بهيجان بركان يفرض حراكه الداخلي، وقد وجد في حركة الطلاب تعبيراً عن”حراك سياسي لم يعرف كيف يجسّده السياسيون في الأطر التقليدية للعمل السياسي”.

وضعت كتب آلان تورين ضمن قائمة أفضل مائة كتاب في مجال علم الاجتماع، وتورين الذي يبلغ من العمر 95 عاماً، لا يزال يواصل الكتابة وقد صرح لإحدى الصحف”اعتقدت أنه عند شيخوختي ستكون لدي رغبة، أقلّ فأقل، للتفكير الجدي، لكن من دون أن أنام، مع ذلك، أمام التلفزيون”.

في كتاب”ما هي الديمقراطية”يعالج تورين مسألة مهمة ربما يعاني منها العراق الآن وهي: هل الديمقراطية بالفعل هي حكم الأكثرية؟، أم أنها إلى جانب ذلك هي ضمانات الأقلية، وتورين يدعو إلى نظام سياسي، يسعى إلى الجمع بين قانون الأكثرية واحترام الأقليات، وإلى عملية استيعاب المهاجرين ضمن شعب معين، وإلى إيجاد طريقة تمكّن النساء من الوصول بصورة طبيعية إلى موقع القرار السياسي، وهو يرى أن قوة الديمقراطية تتأتى من النضال الذي تمارسه القوة المجتمعية الفاعلة، ضد منطق الأجهزة المسيطرة، حيث ينبغي لنا حسب تورين أن نضع شروطاً مؤسساتية تشكل تعريف الديمقراطية بذاتها، وتفضي إلى امتزاج التنوع الثقافي عبر انضواء الجميع تحت وحدة القانون والعلم وحقوق الإنسان.. يعلن تورين بوضوح أن :”العالم الإنساني قد تم اجتياحه من اللاإنساني وما فوق البشري كليهما معاً، ولم يعد الاجتماعي يمثل الانساني حصراً”، وهو ما دفعه إلى التاكيد بأننا الآن وبسبب سياسات الحكومات دخلنا مرحلة نهاية الاجتماعي وزواله وتلاشيه، فبدل أن يكون العالم الحديث مأوى للإنسان ومسكناً له، تحول إلى معتقل.

يصر تورين في كتابه”ما هي الديمقراطية”على القول إن الديمقراطية والتنمية لا يمكن أن تعيشا إلا متحدتين، لا مفترقتين، وهو يرى أن التنمية السلطوية تنتج أزمات اجتماعية متزايدة الخطورة، والديمقراطية التي تتحول الى محض سوق سياسية مفتوحة، ولا تتحدد بكونها تسييراً متوازياً للتغيرات التاريخية ولمصالح الأفراد والمجتمع معاً، ستضيع في النهاية في متاهة بيروقراطية الأحزاب والفساد السياسي.

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*