Home » ثقافة » الراكعون للكراسي!!
د. صادق السامرائي

الراكعون للكراسي!!

الإثنين ٢٠٢٠/٠٩/٢٨
صادق السامرائي…
الكرسي يرمز للقوة أيا كانت, وكيفما تجسدت وتحققت, وفي العصور القديمة كان الكرسي لا يجلس عليه إلا الأقوياء في المجتمع, ويُمنع عن العامة.

ولا أظن الكرسي كان معروفا عند العرب إلا بعد تفاعلهم مع أمم الدنيا الأخرى, إذ لا يوجد ذكر للكرسي في كتاباتهم القديمة وأساطيرهم واشعارهم, وحتى في الفترة التي سبقت قيام الدولة الأموية.

فالكرسي دخل الثقافة العربية بعد الإحتكاك بالرومان والدولة الفارسية, وغيرهما من أمم الأرض الأخرى, فصار العرش الذي يتقاتل عليه البشر ويسفكون دماءهم.

وبهذا الدخول تكرسن العرب , أي جعلوا من الكرسي رمزا لأمور كثيرة وتوثنوا فيه, أي حوّلوه إلى وثن تفوق على أوثان الجاهلية بما لا يُحصى من المرات, وصار له أعوانه ووعاظه وفقهاؤه المتاجرون بالقيم والمبادئ من أجله, فطغى الكرسي على وعي البشر, وغاب عنهم وعي العقيدة والدين.

والناظر بإمعان للتأريخ تظهر أمامه التصارعات الحامية الهادفة للفوز بالكرسي إلى حين, ومضت عجلة الأيام تدور على إيقاع التكالب على الكرسي والموت فيه ومن أجله.

فلا قيمة لشيئ بعد الكرسي, ففيه تختصر القيم والعقائد والحياة.
وبهذا المفهوم تحول الكرسي إلى مفترس متوحش وجزار أثيم فاقد للضمير, يتصور مَن حوله يهمّون به ولابد من إبادتهم, مهما كانت هويتهم ومنزلتهم وقرابتهم ودورهم في الحياة.

فعند قوائم الكرسي جميع البشر أرقام أو كالحصى, تُداس بأقدام الجالس عليه, وتُسحق برحى بطشه وغابيته النكراء.

وبموجب الآليات الدامية الفانية تأسست علاقات بين الكرسي وما حوله, ولابد من المحاباة والدجل والمراوغة والمديح والتعظيم والتبجيل وقول ما يريد سماعه صاحب الكرسي, حتى تجده ذات يوم على شفا حفرة الوعيد, وقد إنفض الذين كانوا يمجدونه ويتعبدون في محراب سذاجته وبقله.

وكم من الكراسي في مجتمعاتنا تهاوت إلى حضيض نهاياتها السيئة, وكل على شاكلته يترنح في وادٍ مهين.

تلك حكاية الكرسي الذي إذا شبَّ وثب!!

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*