Home » ثقافة » غاب ناصر… وبقيت الانتصارات الوهمية
خيرالله خير الله

غاب ناصر… وبقيت الانتصارات الوهمية

الجمعة ٢٠٢٠/١٠/٠٢
خير الله خير الله…
لا يمكن تفادي الكلام عن الذكرى الخمسين لرحيل جمال عبد الناصر في 28 أيلول (سبتمبر) ‏‏1970. يعود ذلك الى أنّ الرجل ترك أثراً في المنطقة العربية كلّها. لا تزال تركة جمال عبد ‏الناصر ترفض أن تترك المنطقة، بل تتجذّر فيها وكأنهّا قدر كُتب عليها. لعلّ أهمّ ما في هذه ‏التركة بناء سياسات على انتصارات وهمية، مثل الانتصار على العدوان الثلاثي (بريطانيا – فرنسا ‏‏ـ إسرائيل) عام 1956… وهو انتصار ما كان ليتحقّق لولا القرار الأميركي الحاسم بوقفه. ‏غاب ناصر وبقيت الانتصارات الوهمية!

لا يمكن حصر تأثير جمال عبد الناصر، الضابط الآتي من الريف الذي حكم ثمانية عشر عاماً، في مصر وحدها. كان ناصر المسؤول الأوّل عن كارثة حرب 1967. كان مسؤولاً قبل ذلك عن ‏الكارثة التي حلّت بسوريا، كارثة الوحدة معها، وصولاً الى قيام نظام أقلّوي صار عمره نصف ‏قرن. هذا النظام، الذي أوصل سوريا الى ما وصلت اليه الآن، قائم على الأجهزة الأمنية المختلفة ‏ولا شيء آخر من جهة، وعلى الابتزاز والمتاجرة بفلسطين من جهة أخرى. عملت مصر ‏الناصرية على تأسيس نظام أمني سوري إبان الوحدة التي استمرّت من شباط (فبراير) الى ‏‏1958 الى أيلول (سبتمبر) 1961. يرفض النظام الأمني الذي أسّسه الضابط عبد الحميد ‏السرّاج مغادرة سوريا.‏

لم يترك ناصر مكاناً في المنطقة إلّا كان حاضراً فيه. ما شهده العراق خير دليل على ذلك. كان ‏اليوم الأبيض الأخير في العراق في الرابع عشر من تموز (يوليو) 1958. قتل ضباط تأثروا ‏بسلوك جمال عبد الناصر وانقلابه على الملكية في 1952 أفراد الأسرة الهاشمية. انتهى العراق ‏عملياً في ذلك اليوم البائس. بعد انقلاب 1958، انتقل العراق من حكم العسكر الى حكم البعث، ثمّ ‏الى ما هو عليه الآن من بلد يبحث عن هويّة خاصة به. مثل هذه الهويّة، الجاري البحث عنها، ‏هي التحدّي الأكبر أمام رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.‏
بسبب جمال عبد الناصر، ما زالت الضفّة الغربية محتلّة وما زالت القدس الشرقية محتلّة، بل ‏ضمتها إسرائيل وحوّلت المدينة المقدّسة عاصمتها بموافقة أميركية. لا يزال الجولان ‏السوري محتلاً. لا يمكن فصل احتلال الجولان، الذي ضمته إسرائيل، عن وجود النظام السوري ‏الحالي الذي صار عمره خمسين عاماً.

ترك جمال عيد الناصر بصماته في كلّ مكان، بما في ذلك لبنان. لكن بصمته الأوضح تبقى في ‏سوريا، حيث أسّس للنظام الأمني الذي تحوّل مع الوقت نظاماً أمنياً ـ علوياً، خصوصاً بعد ‏‏23 شباط (فبراير) عام 1966، عندما استولى الضباط العلويون على السلطة باسم حزب ‏البعث الذي انقلبوا عليه، وذلك تمهيداً لتفرّد حافظ الأسد بها بعد 16 تشرين الثاني (نوفمبر) ‏‏1970، أي بعد شهر ونصف شهر على غياب جمال عبد الناصر.‏

ظهرت في مرحلة معيّنة، لم تستمر طويلاً، بوادر أمل بإنقاذ سوريا. كان ذلك بعد الانفصال الذي ‏أنهى الجمهورية العربية المتحدة في 28 أيلول (سبتمبر) 1961 يوم عادت سوريا الى ‏السوريين. استمر الأمل سنة ونصف سنة. مثلما شهد العراق يوماً أسود في 14 تموز (يوليو) 1958، كانت سوريا على موعد مع فاجعة انقلاب 8 آذار (مارس) 1963 تحت شعار العودة ‏الى الوحدة مع مصر. هل كان لهذه الوحدة، التي دمّرت الاقتصاد السوري والطبقة المتوسّطة، ‏منطق أو أساس علمي أو عملي في يوم من الأيّام؟ لا يزال سبب قبول ناصر بوحدة من هذا ‏النوع مع بلد آخر بعيد دليلاً على غياب أي فكر استراتيجي لدى ضابط ريفي. لم يعرف ناصر ‏يوماً ما هي موازين القوى في المنطقة والعالم، وكيف يُبنى الاقتصاد الناجح، وما هو الاتحاد ‏السوفياتي، وما هي طبيعة علاقته بإسرائيل… وما الفارق بينه وبين الولايات المتّحدة.‏

لا تزال الكارثة العربية تنتقل من مكان الى آخر. في أساس هذه الكارثة المتنقلة بناء سياسات ‏على انتصارات وهمية. كان الانتصار الوهمي الأكبر قرار جمال عبد الناصر القاضي بتأميم قناة ‏السويس عام 1956، وهو قرار تلاه عدوان بريطاني ـ فرنسي – إسرائيلي على مصر. ‏كانت مصر ستستعيد القناة من شركة قناة السويس البريطانية ـ الفرنسية بعد فترة قصيرة. أسوأ ‏ما في الأمر أن الشارع العربي اعتقد أنّ مصر لم تكتف بتأميم القناة، بل هزمت بريطانيا وفرنسا ‏وإسرائيل. الصحيح أن المدن المصرية لم تخسر الجاليات الأجنبية التي جعلت منها مدناً مزدهرة ‏تحلو فيها الحياة فحسب، بل إن من أدّب بريطانيا وفرنسا وإسرائيل أيضاً وأجبرها على وقف ‏عدوانها على مصر كان أميركا. غضب الرئيس الأميركي، وقتذاك، دوايت أيزنهاور غضباً ‏شديداً بعدما علم أن التخطيط للعدوان الثلاثي على مصر كان من وراء ظهر الولايات المتحدة. أمر أيزنهاور بوقف الحرب. هدّد جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأميركي رئيس الوزراء ‏البريطاني أنطوني ايدن بأنّه إذا لم يتوقف العدوان على مصر فستجعل أميركا ورقة الجنيه ‏الإسترليني صالحة لتلميع الأحذية فقط.‏

أصبح جمال عبد الناصر الذي انتصر، بفضل أميركا، بطلاً عربياً لا يُقهر. امتد نفوذه وتأثيره ‏الى كلّ مدينة عربية. كان الخطاب الذي يلقيه في القاهرة يهزّ عدن. لم يستفق على الواقع إلّا بعد ‏هزيمة 1967. استطاعت مصر، بفضل أنور السادات، استعادة أرضها والشفاء من سياسة البناء ‏على انتصارات وهمية. لكنّ آخرين في المنطقة، خصوصاً في سوريا ولبنان، الذي بات يتحكّم ‏به “حزب الله”، ما زالوا يعانون من هذه السياسة الكارثية… التي تؤكّد أن جمال عبد الناصر ‏الذي توفّي قبل نصف قرن في مصر… بقي إرثه حياً يرزق، ولكن خارجها.‏

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*