Home » ثقافة » قانون الانتخابات الجديد في العراق: تجميعُ الهوية الوطنية أم تشظيتُها؟
فارس كمال نظمي

قانون الانتخابات الجديد في العراق: تجميعُ الهوية الوطنية أم تشظيتُها؟

الإثنين  ٢٠٢٠/١١/١٦
 فارس كمال نظمي…
إن أي قانون يجري تشريعه – ومنه القانون الانتخابي- هو نتاج مباشر أو ضمني لفلسفة السلطة السياسية، ويعبّر بالضرورة –في محتواه النهائي- عن مصالح الطبقات والفئات المتسيدة اقتصادياً واجتماعياً.

ولكن تحت ضغط اللحظات الانتقالية يمكن للقانون – أي قانون- أن يعاد تشريعه لتُدمج في مخرجاته مصالحُ الجماعات الناهضة والمحتجة بنسبة معينة. ويمكن أيضاً أن تنطوي إعادة التشريع هذه على تضليل وتمويه تمارسه قوى النظام القديم المستميتة للاحتفاظ بمصالحها وسلطتها.

فبتأثير ضغط الاحتجاجات الثورية منذ بداية تشرين الأول 2019، قام مجلس النواب العراقي بتشريع قانون جديد للانتخابات النيابية في 24/ 12/ 2019 (جرى استكماله ونشره في الجريدة الرسمية في 9/ 11/ 2020)، استجابة لمطالب المحتجين بتشريع قانون يضمن عدالة التمثيل ونزاهة احتساب الأصوات. فاعتمد هذا القانون نظامَ الترشيح الفردي بدل القوائم، ونظام الأغلبية (أي الفائز من يحصل على أعلى الأصوات) بدل التمثيل النسبي، والدوائر الانتخابية المتعددة داخل كل محافظة (83 دائرة لعموم العراق)، بدل دائرة واحدة لكل محافظة.

وبسبب حالة الارتباك السياسي العامة، واشتداد السخط على كل ما له علاقة بالنظام الانتخابي السابق، وعدم خضوع بنود مسودة القانون لمناقشات مجتمعية عامة كافية، ولا لتفحص أكاديمي متخصص، فإن هذا يستدعي، بل ويستلزم بالضرورة طرح جملة من الاستفهامات المتمركزة حول جدواه وطبيعة مخرجاته القادمة المحتملة.

فهل يمكن عدّ هذا القانون بمجمله لصالح الحراك الاحتجاجي الساعي للتغيير أم لصالح السلطة المتشبثة بالسكون؟ أي هل يمكنه عدّه ممثلاً للجديد الذي يولد أم امتداداً أزماتياً للقديم الذي يحتضر؟

وهل عملية “سلق” القانون دون التمحيص بأبعاده الاجتماعية والنفسية والقانونية المحتملة، قد تجعله يلتحق بما سبقه من تشريعات فاشلة نجحت بفرض هيمنة الأقلية الفاسدة على الأكثرية المتضررة؟ أم أنه في النهاية يشكل خطوة متقدمة واحدة على درب الديمقراطية العسير والمتعرج في مساراته وتجاربه؟!

وهل إقرار “نظام الأغلبية” في القانون الجديد، وإلغاء “التمثيل النسبي” بنسخة “سانت ليجو” السيئة الصيت (بافتراض وجود تطبيقات أخرى منصفة لسانت ليجو لم يتم اعتمادها) يمثل لوحده مكسباً ما كان بالإمكان تخيله قبل احتجاجات تشرين؟ أم إن “الألغام” الإجرائية التي يحتويها القانون ستجعله نسخة أخرى غير مباشرة من مخرجات “سانت ليجو” السابقة؟

وهل إن “نظام الترشيح الفردي” الذي تم إقراره بديلاً عن “نظام القوائم”، إذ ما أفلح في إيصال نواب “نزيهين” إلى البرلمان، فهل سينجحون فعلاً في تفكيك المنظومة الفاسدة؟ أم إن هذه المنظومة ستستفيد من الترشيح الفردي لتقوية بنيتها الكلية عبر شبكاتها الزبائنية ووشائجها التخادمية في المجتمعات المحلية الضيقة بالاستفادة من الدوائر الانتخابية المتعددة التي شرّعها القانون أيضاً؟

نسبية العدالة في أي نظام انتخابي
لا يمكن الحديث أبداً عن قانون أو نظام انتخابي مثالي في أي بلد، فمسألة التمثيل السياسي عبر الانتخابات تبقى معضلة فلسفية إلى جانب كونها معضلة إجرائية، حمالة أوجه، وتخضع جدلياً لمتغيرات المكان والزمان ودرجة تطور الثقافة السياسية في المجتمع. يضاف إلى ذلك أن الانتخابات بحد ذاتها لا تشكّل أكثر من شرطٍ واحد – غير مؤكد بشكل مطلق- للديمقراطية ضمن حزمة متشعبة من الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتداخلة.

ولذلك، فإن النظام الانتخابي المتقدم في بلدٍ ما، قد يصبح نظاماً غير منصف في بلدٍ آخر فلا يحقق مقداراً كافياً من الديمقراطية أو الاستقرار السياسي بحسب نسبيات الظروف الموضوعية والذاتية المحيطة به. فلا يتعلق الأمر –فنياً- بفقرات القانون الانتخابي ومواده وأساليب الترشيح والانتخاب والتمثيل فيه فحسب، بل يتعلق –جوهرياً- بسوسيولوجيا وسيكولوجيا السلوك الانتخابي للناس ودينامياته المتشعبة أيضاً، في تعاملها المتعدد الاحتمالات مع فقرات القانون.

القانون الانتخابي ليس ماكنة نمطية لإنتاج الديمقراطية، بل هو مادة تنظيمية تتباين جدلياً في مخرجاتها النهائية حسب نوعية الوعي السياسي والانتخابي المتحكم بها، وحسب نمط النظام السياسي المشرع لذلك القانون.

وبمعنى أكثر تحديداً، لا توجد قوالب أو نماذج مطلقة في صوابها أو خطئها عند الحديث عن النظم الانتخابية، خاصة في بلدان ما قبل الديمقراطية كالعراق. فالدائرة الانتخابية الواحدة (تشمل البلد كله) قد تغدو سبباً لإنتاج سلطة فاسدة، مثلما يمكن أن تكون سبباً لبناء دولة رشيدة، والأمر ذاته ينطبق على خيار الدوائر الانتخابية المتعددة، وغيرها من الخيارات كالترشيح الفردي أو عبر القوائم.

الترشيح الفردي والدوائر المتعددة: تشتيت للهوية الجامعة
المقدمة السابقة قد تكون ضرورية لفتح نقاش هادئ حول بعض المعضلات التي يتضمنها قانون الانتخابات الجديد، بعيداً عن التهليل الشعبوي له أو الرفض العدمي ضده. وأود هنا أن أتناول معضلة واحدة محتملة (وأترك معضلات أخرى لوقت آخر أو لباحثين آخرين)، وهي مدى قدرة هذا القانون على إنتاج برلمان قادر على تمثيل حقيقي للوطنية العراقية البازغة بشدة منذ تشرين 2019.

فاللحظة العراقية التشرينية مثلت زمناً اجتماعياً شاقاً لعبور الهويات الفرعية (الدينية والمذهبية والعِرقية والعشائرية والمناطقية)، والتفافاً تضامنياً غير مسبوق حول مطلب “استعادة الوطن” بوصفه الحاضنة الهوياتية لكل المظالم الاجتماعية والطبقية العميقة التي وحّدت الناس وحرّكتهم للنزول إلى الشوارع والميادين لـ”أخذ حقوقهم”، وتحديداً في الجزء العربي من العراق.

لكن تقسيم محافظات البلاد إلى دوائر انتخابية فرعية متعددة كما ينص القانون الجديد (المادة 15)، بديلاً عن الدائرة الوطنية الواحدة، يعني -في اللحظة الحالية النسبية، وليس بشكل مطلق- إرغامَ الناس بصورة غير مباشرة على التصويت من جديد لشظايا الهويات الفرعية أي للعشيرة أو المنطقة أو الحي السكني، فضلاً عن الدين والمذهب، بتأثير التسويق الانتخابي الذي تمارسه السلطة باستخدام المال السياسي وأساليب الابتزاز الديني والعشائري، ناهيك عن التزوير.

كما إن العملية الانتخابية ستميل في هذه الحالة إلى التأثر بالصلات والتفضيلات الشخصية بين الناخب والمرشح، أكثر من استنادها إلى وعي الناخب ببرامج انتخابية محددة أو بمبادئ وتوجهات سياسية إصلاحية عامة تخص مستقبل البلاد يمكن أن يطرحها نظام القوائم بدائرة واحدة تغطي البلاد. وهذا سينتج بالضرورة برلماناً على مقاس المحاصصات الروتينية السابقة، دون إتاحة الفرصة لشاب في النجف مثلاً أن ينتخب أكاديمياً مرموقاً من الموصل، أو لإمرأة من الرمادي أن تنتخب ناشطة نسوية من البصرة.

وفي الوقت نفسه، فإن نظام الترشيح الفردي – وليس القوائم- ضمن دوائر انتخابية كثيرة، لا يعني بالضرورة إضعافاً للأحزاب الإسلاموية الحاكمة كما تعتقد فئات واسعة من المحتجين الناقمين على الأحزاب. إنه على العكس قد يعني تقديم “جائزة” ضمنية لها بأن ترشح أعضاءها باحتمالات نجاح كبيرة بتأثير التسويق الانتخابي المشار إليه قبل قليل، دون إتاحة الفرصة لقوائم سياسية جديدة عابرة للهويات الإثنية والمناطقية كان يمكن أن يفرزها الحراك الاحتجاجي، وتمتلك برنامجاً سياسياً جامعاً، لتمارس حقها في الحصول على أصوات كافية من مختلف مناطق العراق.

فالتصويت المُلزم لـ”أفراد” في قائمة معينة وليس إلى القائمة الكلية– حسب القانون الجديد- يجعلها تفقد الكثير من الأصوات الذي تذهب هدراً بحكم نظام الأغلبية الذي تم إقراره بديلاً عن التمثيل النسبي. فلنفترض أن قائمة بعنوان “انتفاضة تشرين” جرى تأسيسها على يد قوى سياسية شبابية إصلاحية جديدة، عندها سيترتب عليها أن تخوض الانتخابات – بإمكانيات مالية ودعائية ولوجستية محدودة- في عدد كبير من الدوائر الانتخابية في محافظات عديدة حيث يحصل كل مرشح فيها على الأصوات الخاصة به، لأن التصويت يتم لهؤلاء المرشحين وليس لمجمل القائمة. وهذا يعني هدراً كبيراً بالأصوات غير المنتجة -بسبب المنافسة- بالمقارنة مع حالة التصويت لها فيما لو كانت قائمة واحدة كلية على مستوى البلاد، إذ سيكون عندها هدر الأصوات أقل بكثير لأن التصويت يتم لمجمل القائمة. وهكذا قد تهدر الأحزاب/ الائتلافات الإصلاحية الجديدة أصواتاً كثيرة لا تُحسب لها، في مقابل أن تحتفظ الأحزاب الحاكمة حالياً بقدرتها على استثمار دقيق لأصواتها في الفوز ما دامت قادرة على التحشيد لصالح أفرادها لأي عدد كان من الدوائر الانتخابية في عموم العراق.

كما إن الأحزاب الإسلاموية يمكن أن تلجأ لإعادة هيكلة نفسها عبر الترشيح الفردي، إذ يشكّل ذلك تمويهاً مفيداً لها لكسب أصوات كثيرة قد لا تكون قادرة على كسبها إذا ما احتفظت بعناوين قوائمها التقليدية التي أصبحت مثاراً للسخط والمقاطعة، عبر ترشيحها لأفراد موالين لها يدّعون عدم حزبيتهم. يضاف إلى ذلك أن هؤلاء المرشحين “غير الحزبيين” قد يصبحون غير خاضعين للمساءلات المالية والتنظيمية التي يقتضيها قانون الأحزاب لكونهم يرشحون بصفتهم “الفردية” لا بصفة القائمة الحزبية.

وسيزداد الأمر سوءاً في حال إجراء الانتخابات في وقت مبكر إذ ستكون أحزاب السلطة حينها هي الوحيدة القادرة على إعادة إنتاج نفسها دون منافسة جدية من خارجها بسبب قدرتهم على التكيف مع المستجدات في ضوء عدم نشوء تنظيمات سياسية بديلة تناظرها في إمكانيات التعبئة والتسويق الانتخابي.

ما المتوقع..؟!
باختزال، إن الاحتمالية التي يجب التوقف عندها ومناقشتها بتريث وحذر وانفتاح على كل التوقعات، هي أن العنفوان الوطنياتي الجامع، والذي يعد الحاضنة الموضوعية للإصلاح والتغيير السياسيين، يمكن أن يجري امتصاصه وتشظيته وتشتيته نفسياً عبر نظام الترشيح الفردي والدوائر المتعددة ونظام الأغلبية، التي جاء بها جميعاً القانون الجديد بديلاً عن نظام القوائم والدائرة الوطنية الواحدة والتمثيل النسبي (بنظمه المنصفة الممكنة).

فلا ضمان أبداً أن ينتخب الناس ممثليهم الحقيقيين، ما داموا قد أُرغموا على التصويت المناطقي الضيق، بعيداً عن الإطار الوطني المشترك (الدائرة الواحدة) الذي يمكن أن يتيح للجميع – بنسبة مهمة- عبور هوياتهم الفرعية نحو اختيار ممثليهم وفقاً للكفاءة والنزاهة وبمعزل عن انتماءاتهم الإثنية والمناطقية. وأكثر من ذلك، إن الفائزين بالمقاعد النيابية سيكونون ملتصقين ولائياً بدوائرهم المناطقية أكثر من صلتهم الانتمائية بمجمل الإطار السياسي للبلاد، وهذا سيجعل الوظيفة العامة لمجلس النواب تتخذ صيغة مجلس محلي خدماتي موسع أكثر منه هيئة سياسية تحتضن مشروع الهوية الجامعة في دولة مأزومة تبحث عن مخرج إنقاذي.

إن بلداً أنهكه العنف والفساد والتطرف – كالعراق- أشد ما يحتاجه في لحظات التحول السياسي الجذري التي يمر بها، أن يتم توجيه السلوك الانتخابي فيه نحو فكرة الوطن المشترك العابر للانتماءات ما دون الوطنية، بما يسهم في تجميع الجماعات العراقية حول مشروع الدولة الوطنية (الدولة- الأمة) عبر برلمان يجري انتخاب أعضاءه على أساس التصويت العام لهم من مختلف مناطق البلاد وجماعاتها الإثنية والسياسية والثقافية والفكرية. وبمرور الزمن، وعندما تنجز مهمة التغيير السياسي والإصلاح الدولتي وتحقيق قاعدة أساسية للمواطنة والعدل الاجتماعي (كما في بلدان عريقة في الديمقراطية)، فيمكن عندها العودة إلى الدوائر المتعددة والترشيح الفردي ونظام الأغلبية، إذا يصبح عضو البرلمان عندها مختصاً بتحقيق مطالب ناخبيه في دائرته الانتخابية الضيقة، ما دام الإطار العام للانتماء الوطني الجامع، أي دولة المواطنة، قد أصبح متحققاً بالفعل.

قد يكون مخطئاً من يظن اليوم أن قانون الانتخابات الجديد يعدّ مكسباً فارقاً حققه الحراك الثوري وإرادة المحتجين. والأصح هو القول باحتمالية أن السلطة قدمت “مكسباً” زائفاً للجمهور، في مقابل أن تربح زمناً كافياً لإعادة تكيفها مع المستجدات التي جاء بها القانون، بما قد يجعلها قادرة على توجيه السلوك الانتخابي القادم طبقاً لبوصلتها العتيدة، أي بوصلة المكونات والتحاصص لا بوصلة المواطنة والوطن.

وهذا ما يقتضي كفاحاً جديداً لإعادة النظر التشريعية بالقانون ليغدو معبّراً بدرجة مهمة عن مصالح ملايين العراقيين، ممن يتلهفون لعصر سياسي جديد يعلن قطيعة تامة مع ماضٍ تفاقمت تأزماته واعتلالاته.

ملاحظة/ جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

Malboto

About أنا العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*